ديناميات الفعل العمومي
تُعدّ دراسة الفعل العمومي اليوم واحدة من أكثر الحقول المعرفية تشابكًا في العلوم الاجتماعية، خاصة مع تحول دور الدولة من “المركز الآمر” إلى فاعل ضمن شبكة معقدة من العلاقات. وإذا عدنا إلى الفصل الثاني من كتاب “إبستمولوجيا السوسيولوجيا: باراديغمات للقرن الحادي والعشرين”، وتحديدًا المساهمة القيمة للباحثة أودري ليفيك حول “سوسيولوجيا الفعل العمومي”، فإننا نكتشف أن تحليل السياسات العامة لم يعد مجرد رصد للإجراءات الإدارية، بل أصبح غوصًا في الأعماق الاجتماعية لصناعة القرار وتنفيذه.
تبدأ القصة تاريخيًا في الولايات المتحدة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حيث ظهر مصطلح “Policy” ليشير إلى تحول جوهري في طريقة تدبير الشأن العام. لم يعد السؤال المطروح هو “ماذا يريد الناس؟”، بل تحول إلى “ماذا يحتاج الناس؟”، بناءً على فرضية مفادها أن الأفراد قد لا يكونون دائمًا أفضل الحكام على مصالحهم الخاصة. هذا التوجه، الذي ارتبط بأسماء مثل لاسويل، كان رد فعل على الأزمة الاقتصادية وانخراط الدولة في توجيه الاقتصاد. ومع انتقال هذه الموجة إلى أوروبا، خاصة في سنوات السبعينيات، تغيرت البوصلة قليلًا لتركز على أزمة دولة الرفاهية، وليصبح السؤال الجوهري هو: ماذا تفعل الحكومات، ولماذا تفعله، وما الفرق الذي يحدثه فعلها؟
لكن كيف نفكك هذا الفعل المعقد؟
حاول علماء السوسيولوجيا وضع نماذج تبسيطية لفهم المسار، ولعل أشهرها “شبكة جونز” التي تقسم العملية إلى ست محطات متتالية: وضع الأجندة، صياغة الحلول، اتخاذ القرار، التنفيذ، التقييم، ثم الإنهاء. ورغم فائدة هذا النموذج في تنظيم الفكر، إلا أن الواقع الاجتماعي يرفض غالبًا هذه الخطية المفرطة. فالسياسات العامة في الحياة الواقعية نادرًا ما تسير في خط مستقيم، فالمراحل تتداخل، وأحيانًا تُحذف بعضها. الأهم من ذلك، أن هذا النموذج قد يوحي بأن المشكلة تُحل بمجرد اتخاذ القرار، بينما تخبرنا السوسيولوجيا بأن الحقيقة تكمن في مكان آخر.
هنا تبرز إشكالية “اتخاذ القرار” التي لطما شغلت الباحثين. فقرار السياسة العامة ليس لحظة سحرية معزولة، بل هو عملية غير محددة النتائج سلفًا. وكما يشير هربرت سيمون، فإن العقلانية في هذا المجال هي “عقلانية محدودة”، فالمعلومات ناقصة، والأهداف تتغير، والألعاب بين الفاعلين تجعل النتيجة النهائية نادرًا ما تطابق التوقعات الأولية. ومن هنا، يضيف بيير مولر بُعدًا معرفيًا مهمًا عبر مفهوم “المرجعية”، حيث أن صنع السياسة هو في جوهره بناء لتمثيل الواقع، وليس مجرد استجابة آلية لمشكل موجود.
بين الواقع والتنفيد؟
غير أن القلب النابض لتحليل الفعل العمومي، وفقًا لليفيك، يكمن في مرحلة “التنفيذ”. لطالما تم التعامل مع التنفيذ كمرحلة ثانوية، وكأن القرار هو الرأس والتنفيذ هو الجسد المنفذ للأوامر. لكن البحث السوسيولوجي قلب هذه المعادلة. فالتنفيذ هو المسرح الذي تتفاعل فيه العقلانيات السياسية، وتُعاد صياغة الخيارات الرسمية. إن المقاربة التقليدية “من الأعلى إلى الأسفل” (Top-down) التي تضع الدولة في المركز وحدها، أفسحت المجال لمقاربة “من الأسفل إلى الأعلى” (Bottom-up). في هذه الرؤية، يصبح المنفذون على الأرض فاعلين استراتيجيين، قد يشوهون الأهداف، أو يخفون المعلومات، أو يستخدمون القانون لصالح تفسيراتهم الخاصة. الفجوة بين ما هو مكتوب في النصوص وما يحدث على الأرض ليس فشلًا بالضرورة، بل هو دليل على أن محتوى السياسة يتشكل بقدر ما يحدده التنفيذ كما يحدده القرار.
من “السياسات العامة” إلى “الفعل العمومي”
وهذا يقودنا إلى التحول الأكبر في المفهوم نفسه: الانتقال من “السياسات العامة” إلى “الفعل العمومي”. هذا التغيير الدلالي ليس رفاهية لغوية، بل يعكس واقعًا جديدًا حيث فقدت السلطات العامة احتكارها لمعالجة المشاكل العامة. لقد دخلنا عصر “الحكامة”، حيث تتداخل مستويات التدخل من المحلي إلى الدولي، وتتشارك الدولة الفعل مع المجتمع المدني والقطاع الخاص. بحيث لم تعد الدولة هي المالك الوحيد للمشكل، بل أصبحت شريكًا ومنظمًا في شبكة من العلاقات المتبادلة.
في ختام هذا المسار التحليلي، تبرز قضية “الشرعية” كحجر الزاوية. في النموذج القديم، كانت الشرعية تأتي من الانتخاب والقانون. أما في سوسيولوجيا الفعل العمومي المعاصرة، فإن شرعية السلطات تقاس بـ “النتائج” (Outcomes) وليس فقط بالإنجازات. (Outputs) فالمسؤول السياسي يُحاسب اليوم على الأثر الحقيقي لفعله في المجتمع، وعلى قدرته على إدارة التداخلات المعقدة بين الفاعلين. إن فهم الفعل العمومي بهذا العمق السوسيولوجي يمنحنا عدسة أوضح لرؤية كيف تُصنع قوانيننا، وكيف تتحول النوايا الحسنة إلى ممارسات يومية، ويذكرنا أن السياسة ليست مجرد نصوص، بل هي حياة اجتماعية صاخبة ومستمرة.
-باحث في العلوم السياسية
The post ديناميات الفعل العمومي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.