ديبلوماسية الظل: دولة تفاوض على نفسها

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

إسلام مري 

ما تزال تسجيلات المختطفين، أو "الأسرى" كما كان يسميهم تنظيم "القاعدة" في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي بين 2004 و2007، محفورة في الذاكرة العراقية، لا كصور عابرة بل كندبة في الوعي الجمعي. 

يومها، كان العراقيون يشاهدون للمرة الأولى صحفيين ورجال أعمال وأجانب يُختطفون في بلد لم يألف أن يتحول الإنسان فيه إلى رسالة، والجسد إلى ورقة تفاوض.

بعد عقدين من تلك الذاكرة، لم تعد الحوادث استثناءً، بل أصبحت قاعدة "استثمار استراتيجي" غير معلنة لمجاميع مسلحة. صار كل أجنبي مشروع رهينة محتمل لأن الصفات لم تعد تعني أصحابها، إذ لم يعد السائح سائحاً بنظر الخاطفين، بل نافذة سياسية لدولته الأم. ورجل الأعمال لا يعرّف إلا بوصفه امتداداً لمال أو سلطة أو شبكة مصالح. أما الصحفي الأجنبي، فلم يعد يُرى ناقلاً للخبر بل غطاء محتملاً لدور استخباري أو رسالة متحركة.  

 

الباحثة الإسرائيلية - الروسية إليزابيث تسوركوف (أ ف ب)

 

بعد 2003، جرى اختطاف جنود وقادة أميركيين، واستُخدمت الرهائن للمساومة على إطلاق سراح قادة من مجاميع مسلحة. بمرور الوقت، تأسس هذا النمط وتوسع ووجد من يؤطّره ويُنظمه، بأشراف موسى دقدوق المرتبط بـ"حزب الله"، حيث جرى نقل الخبرة من حالات متفرقة إلى عقيدة عمل: خطف بلا ضجيج، تفاوض متعدد المسارات، ونتائج تتجاوز الإقليم!


في العراق، تحول الاختطاف إلى أداة تُدار بها مصالح دول وجهات متعددة، وتُعاد عبرها كتابة خرائط النفوذ، بدءاً بخطف الصيادين القطريين في جنوب العراق، إلى اختطاف الباحثة إليزابيث تسوركوف في بغداد، مروراً بالصحفية الأميركية شيلي كيتلسون، ووصولاً إلى الناشطة الألمانية هيلا ميفيس. النمط واحد والقاسم المشترك في كل ما سبق: جهة منفذة شبه ثابتة، لغة سياسية موحدة، من دون فدية مالية، والثمن دائماً سياسي مثل إطلاق سجناء وإيقاف عمليات وإعادة رسم خطوط التماس.

الحقيقة الأشد بشاعة هي أن المفاوض النهائي في كل مرة هو الحكومة نفسها: تفاوض على أرضها وعلى سيادتها وأحياناً على صورتها أمام القانون والدستور، وأمام شعبها والعالم أجمع!

#Quote#

حادثة الصيادين القطريين (2015) كانت الأكثر اكتمالاً. لم تكن الفدية مالية بل شروط استراتيجية: إطلاق سراح مقاتلين عراقيين في سوريا، وإعادة ترتيب مسارات الاشتباك في مدينة حلب. في خطف إليزابيث تسوركوف، كانت الرسالة أدق وأعمق: تعطيل جهد استخباري ميداني من دون إعلان مواجهة في ظل انكفاء هادئ ومريع لمؤسسات الدولة الأمنية، والحكومة العراقية حضرت كمفاوض وقناة تمرر عبرها الشروط. أما في خطف شيلي كيتلسون، فظهر الاختطاف أداة ردع غير مباشر، إذ تراجع أو توقف استهداف مقار الحشد الشعبي كأثر جانبي محسوب، وربما وفق اتفاق رسمي بين فصائل مسلحة والجيش الأميركي.  

الأسوء من فعل الاختطاف ليس الاختطاف بحد ذاته، بل حين تصبح الحكومة هي المفاوض الدائم على حوادث لا تسيطر على بدايتها ولا نهايتها. الدولة في العراق، بعد فشل وسقوط مؤسساتها السياسية، انتقلت من موقع السيادة إلى موقع الوساطة على نفسها، وهذه حالة "موت سريري" في الأمن القومي: أجهزة أمنية تتفاعل ولا تُبادر، سياسة خارجية تُدار بردات الفعل وتُكتب في الظل لا في العلن، وجميعها تشير الى سؤال مركزي واحد فقط: "من يملك قرار الدولة؟ الحميداوي، السوداني، فائق زيدان، الإطار التنسيقي، ائتلاف إدارة الدولة.. أم الدستور؟ 

* إعلامي عراقي مهتم بالشأنين السياسي والأمني

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية