دولة علمانية أم مدنية أم دينية: أي مجتمع نريد؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. نواف القنطار 

تثير العَلمانية ( Secularism) جدلاً واسعاً في الفكر المعاصر من حيث كونها أحد الحلول الرئيسة لبناء الدول الحديثة، ونموذجاً إشكالياً في بعض الدول الأخرى، فالعلمانية في جوهرها تعني فصل الدين عن الدولة، أو تنظيم العلاقة بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم بما يضمن حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين. أي أنها تقوم على إقصاء المؤسسات الدينية عن إصدار قرارات تشريعية وتنفيذية وقضائية ملزمة للمجتمع باسم الدين، كما أنها تضمن لكل فرد الحق في اعتناق أو عدم اعتناق أي دين من دون خوف من ملاحقة قانونية أو اجتماعية، كما تعني أيضاً المساواة أمام القانون، حيث تعامل جميع المواطنين بالتساوي بغض النظر عن معتقداتهم، ولا تتخذ الدولة العلمانية موقفاً مؤيداً أو معادياً لأي دين، بل تضمن حرية التعبير الديني للأفراد والمجموعات والحق في ممارسة شعائرهم ونشر معتقداتهم شريطة عدم الإضرار بالآخرين أو خرق القانون العام.

عاشت أوروبا الغربية في القرنين السادس عشر والسابع عشر حروباً دينية طاحنة، ما دفع إلى البحث عن نظام يضع حداً لتلك الصراعات، فظهرت العلمانية بوصفها حلاً مؤقتاً للخلافات الدينية لتتحول لاحقاً إلى فلسفة شاملة تنظر إلى العقل البشري كمصدر لإدراك العالم وتنظيم المجتمع، وتوجت هذه التطورات بترسيخ مفهوم " الدولة المحايدة" التي لا تتبنى ديناً رسمياً، ولا تتدخل في شؤون المعتقد، ولا تسمح للمؤسسات الدينية بالسيطرة على القرارات السياسية. 

برزت في القرن الماضي تجارب مثل العلمانية الفرنسية كنموذج يهدف إلى إقصاء الدين تماماً عن الحياة العامة، وهناك العلمانية الأنجلوسكسونية التي تعترف بالكنيسة لكن دون سيطرة فعلية على الدولة، بينما تأسست العلمانية التركية في عشرينيات القرن الماضي، حيث ألغت الخلافة الإسلامية، واستعاضت عن القانون المدني المستمد من الشريعة بقوانين أوروبية. وهناك أيضاً نموذج العلمانية الهندية الذي تعلن الدولة من خلاله احترامها لجميع الأديان من دون أن تتبنى أي دين من الأديان. 

وفي الوقت نفسه، تواجه العلمانية عدة إشكاليات حقيقية، وفي مقدمتها إشكالية تعريف الدين بحد ذاته، وخصوصاً عندما يجري الحديث عن المذاهب والتيارات الدينية المختلفة بغض النظر عن الديانة نفسها، بالإضافة إلى إشكالية حياد الدولة التي يصعب أن تكون حيادية بالمطلق بالنسبة إلى جميع رعاياها.

 

تعبيرية. (فريبيك)

 

أما في المجتمعات الشرقية المتدينة، فيرى كثيرون أن العلمانية المستوردة من أوروبا الغربية تحمل قيماً أجنبية، وأنه لا يمكن بناء نظام أخلاقي مستقر لا يقوم على أسس دينية، خصوصاً أن التيار الرافض للعلمانية في عدد من البلدان العربية يؤكد أن الإسلام دين ودولة، وأن الشريعة الإسلامية تمثل المصدر الوحيد للتشريع، ولذلك لا يمكن فصل الدين عن الحياة الاجتماعية، لأنه يعني إخراج الإسلام من دائرة الحكم والسياسة. 

فمن وجهة نظر إسلامية تقليدية، تُتهم العلمانية بإقصاء القيم الدينية عن الحياة العامة، ما يؤدي إلى فراغ أخلاقي وانتشار النزعة المادية والإباحية، ولذلك تعاني المجتمعات العلمانية من أزمات كثيرة أهمها تضعضع بنية الأسرة. ويعارض الإسلاميون عموماً العلمانية لأنهم يرون أن الإسلام يقدم نظاماً متكاملاً للحكم والاجتماع والسياسة وأن تطبيق الشريعة الإسلامية أساسي لبناء مجتمع تسوده العدالة والفضيلة وفقاً لفهمهم للنصوص الدينية، كما يخشون أن تؤدي العلمانية إلى تهميش دور الدين في الحياة العامة، واعتبار القيم الدينية مسألة شخصية فقط. 

بدوره، يدعو التيار المؤيد للعلمانية إلى أن تتناسب مع خصوصية المجتمعات المسلمة، حيث يُحترم الدين في الحياة الخاصة والعبادات، على أن تدار الدولة بقوانين مدنية عصرية تضمن حقوق جميع المواطنين. في حين يرفض التيار الوسطي  مصطلح "علمانية" بسبب ثقله التاريخي في السياق الإسلامي، لكنه يقبل بفكرة " الدولة المدنية" التي تحترم الشريعة في أحكام الأسرة والأحوال الشخصية، وتتبنى القوانين الحديثة في باقي المجالات. 

أما التيارات اليسارية فترى أن العلمانية الغربية ليست سوى قناع يخفي سيطرة رأس المال، فإذا كانت تفصل الدين عن الدولة إلا أنها لا تفصل الاقتصاد عن السلطة، ما يخلق مجتمعاً يدعي الحياد لكنه يخدم مصالح الطبقة الحاكمة، بينما يعتقد آخرون أن العلمانية ليست مجرد فصل بين الدين والدولة، بل هي مشروع معرفي وسياسي غربي تفرضه الدول الاستعمارية على الشعوب المستعمرة. 

ترفض بلدان كثيرة، ليست إسلامية بالضرورة، العلمانية الغربية لأنها تمثل في نظر قادة هذه البلدان تهديداً أخلاقياً وثقافياً يسعى إلى تقويض "القيم التقليدية" التي تقوم مجتمعاتهم عليها، ويأتي هذا الرفض كجزء من أيديولوجية تستخدمها هذه السلطات لتأمين شرعيتها الداخلية وتعزيز نفوذها على الساحة الدولية، ناهيك عن اعتبار الغرب مصدراً للانحلال الأخلاقي والثقافي الذي يجب حماية المجتمع منه وتوحيد الصفوف ضده لتشتيت الانتباه عن المشاكل الداخلية كالفساد وسوء الإدارة الاقتصادية. 

من جهة أخرى، يرى كثير من المفكرين أن العلمانية ليست وصفة واحدة تناسب جميع المجتمعات، بل هي مفهوم متعدد الأوجه يعكس تاريخ وثقافة كل مجتمع، وأنه يمكن النظر إليه كأداة تنظيمية للتعايش بين أتباع الديانات المختلفة وغير المؤمنين. وفي المقابل يمكن اعتباره بمثابة مشروع ثقافي صدامي مع الدين. وبالتالي لا تكمن المسألة فيما إذا كنا نريد دولة علمانية أو مدنية، بل كيف نبني مجتمعاً عادلاً ومتسامحاً يحترم التنوع الديني والثقافي والحضاري في وقت تتزايد فيه التفاعلات بين الثقافات والأديان والحضارات المختلفة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية