دمعة على بهيج طبارة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} رمزي جريج - وزير الإعلام ونقيب المحامين سابقاً

 

 

رحيل بهيج طبارة خسارةٌ لبنانية كبيرة لرجلٍ جمع في شخصه صفات العالِمِ الحقوقيّ والمحامي اللامع والسياسي المحنك والصديق الوفي. غداة انتهاء الحرب الأهلية تولّى وزارة العدل، وكانت قصور العدل بمعظمِها خرائب مهدمة، مبعثرة الملفات، هجرها القضاةُ إلى منازلهم، فإذا بالوزير الجديد مهندسٌ معمار يرمّمُ ما تهاوى، ويجمع ما تبدّد، وينظِّمُ ما عاثت به الفوضى، ويطالب القضاةَ بأن يعودوا إلى أقواسهم للفصلِ في قضايا الناس، مستفيدا في هذا كلّه من علاقته المميزة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي سهّل له السبيل ومحضَه الدعمَ الكامل من أجل أن يستعيد القضاءُ سالفَ رونقِه. 

 

وإلى هذا كلِّه، كان نزيها إلى أقصى حدود النزاهة فلم يجرؤ أحد على أن ينسب إليه أو يطلب منه تدخلا لدى قاضٍ أو صرف نفوذٍ هنا أو هناك، ابتغاءَ منفعةِ متقاضٍ على حساب آخر.  

 

وأما لجنة تحديث القوانين التي أنشأ في وزارة العدل، وكان لي شرف المشاركة فيها إلى جانبِ نخبة من القانونيين اللبنانيين الذين انتُخِب بعضُهم إلى سدة نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، وتولّى بعضُهم وزارةَ العدل بعده، فقد كانت بمنزلةِ مختبرٍ لفحصِ التطور القانوني في العالم وتحديث قوانيننا اللبنانية في ضوئه، حتى تصبح مواكِبةً لروح العصر، ومستجيبةً لمقتضيات التحولات الفكرية والاقتصادية والعلمية في مسار الحياة الإنسانية.

 

وما كان ينبغي له أن يَقْصُرَ بصماتِه على وزارة العدل فقط، فلقد ولج الحياة السياسية وخاضَ عُبابَها، وكان من خيرةِ من مثّل العاصمة في الندوة البرلمانية، بل من خيرةِ ممثلي الأمة اللبنانية جمعاء، وإن ظهر في مواضع كثيرة طائرا يغرد خارج سربه، لأنه لم يتقن الألاعيب السياسية ولا مناورات الزواريب الضيقة، بل بقيَ فسيحَ الرؤيةِ وفيًّا لمبادئ الصدق والاستقامة والأمانة الوطنية التي فُطِرَ عليها ومارسَها في مراحلِ حياتِه كافّةً. 

 

بهيج طبارة صديق الأدباء والشعراء، المثقف الذي حفِظ الكثيرَ من التراث العربي شعرا ونثرا، لم يفتْه أن يشاركَ شخصيًّا في تكريم صديقِه فؤاد سليمان (تموز) يوم دعت فيع بلدتُه الكورانية إلى مهرجان تكريمه. وكان اهتمامه بالإعلام أيضا إدراكا منه لتأثير السلطة الرابعة على مجمل الحياة السياسية وعلى تكوين الرأي العام الوطني الصحيح.

 

أما زوجته الفاضلة هدى التي رافقت جهادَه ورعَت أيامَه الأخيرة بحنانٍ وعطف، فحسبُها أنها أغمضت بيديها عينيه، ليفتحَهما هناك ويرى وجه ربه الذي سيكافئه على أعماله الفاضلة. لعائلته كلِّها وللبنانَ بأسرِه أصدقُ العزاء، أما أنا فأذرفُ عليه دمعةً وأسألُ الخالقَ جلَّ جلاله ألّا تبخلَ علينا الأيام الآتية بمن هم مثلَه، لينهضَ لبنان مجددا.  

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية