دعوات لاعتماد الأمازيغية في خطب الجمعة تجدد نقاشات "التبليغ الديني"
في سياق النقاش المتجدد حول هوية الخطاب الديني بالمغرب وعلاقته بالتنوع اللغوي والثقافي للمجتمع المغربي، يبرز سؤال جوهري، يتعلق أساسا بفعالية خطب الجمعة والعيدين، وكذا دروس الوعظ والإرشاد، وقدرتها على تحقيق أهدافها الوعظية والإرشادية. فبينما تُلقى هذه الخطب باللغة العربية الفصحى، يظل جزء كبير من المصلين، حسب مهتمين، خاصة في المناطق الأمازيغية، بعيدا عن فهم مضامينها، مما يحول دون تحقيق القصد الأساسي من الخطب، وهو تبليغ الرسالة الدينية بوضوح وتقريب تعاليم الإسلام من وعي الناس وحياتهم اليومية.
في هذا الصدد، دعا مهتمون إلى إعادة النظر في لغة الخطاب المنبري، باقتراح إلقاء خطب الجمعة والأعياد ودروس الوعظ باللغة الأمازيغية في المناطق التي لا تتحدث غير هذه اللغة، وكسر احتكار العربية للخطاب الديني داخل المساجد المغربية، مؤكدين أن اعتماد الأمازيغية أو حتى “الدارجة” حسب خصوصية كل منطقة من مناطق المملكة، من شأنه ضمان تبليغ سديد يحترم التنوع اللغوي والثقافي بالمغرب، ويفتح الباب أمام إدماج شامل للأمازيغية كلغة رسمية في المؤسسات الدينية.
خصوصيات لغوية
قال عبد الله بوشطارت، دكتور في التاريخ باحث في الثقافة الأمازيغية، إن “إلقاء خطب الجمعة كل أسبوع في مساجد المغرب باللغة العربية الفصحى لا يحقق الأهداف المرجوة من الخطب، وأيضا لا ينسجم مع هوية المغرب وخصوصياته الثقافية واللغوية؛ فمعظم المصلين لا يفهمون المقصود، ولا يدركون معاني هذه الخطب التي تدخل ضمن الوعظ والإرشاد والنصيحة، لأن معظم المواطنين في البوادي وفي المدن لا يفهمون اللغة العربية الفصحى، بل إن المتعلمين أنفسهم أصبحوا اليوم غير قادرين على فهم معاني ودلالات تلك الخطب”.
وأضاف بوشطارت، في حديث مع هسبريس، أن “المغرب الذي اختار المذهب المالكي، وهو يشترط وجوب إلقاء خطب الجمعة باللغة العربية الفصيحة دون سواها، يحتاج إلى اجتهاد فقهي وإلى إعادة مراجعة مثل هذه الأحكام الفقهية والمذهبية، ما دام أنها لا تمس عمق الشريعة وأحكام الدين، ولا تضر بالثوابت والمقدس الديني، ولا بالثوابت الوطنية، ولا تمس بالأمن الروحي للمغاربة”.
وزاد: “لذا، يجب أن يتم إلقاء خطب الجمعة والأعياد باللغة الأمازيغية وبالدارجة حسب خصوصية كل جهة، لأن القصد هو أن يفهم الناس المعنى وأن يدركوه لكي يأخذوا به. كما أن هذا سيقرب أحكام الدين أكثر للناس، كما هو معمول به في جميع الدول الإسلامية التي لا تتحدث اللغة العربية، وهي كثيرة جدا في العالم الإسلامي، حيث يتم إلقاء الخطب باللغات الأصلية للشعوب”.
وشدد على أن “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لها أدوار أخرى متعددة؛ فعليها احترام الدستور، ويجب عليها الالتزام بتنفيذ القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي من خلال إدماج واعتماد اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية في التواصل والمراسلات، وأيضا في التدريس داخل المدارس العتيقة ودور القرآن ومعاهد تكوين الأئمة التابعة لها ومؤسسات محاربة الأمية وغيرها، وليس فقط استعمال الأمازيغية كوسيلة للتعليم والتكوين في العلوم الدينية، وإنما تدريس اللغة الأمازيغية كلغة مستقلة حتى يتمكن منها الفقهاء والأئمة ومن كتابتها مستقبلا”.
أثر ديني
يرى إبراهيم الطاهري، باحث في التاريخ الديني والاجتماعي، أن “خطب الجمعة والأعياد تُلقى بشكل دوري ومستمر، ومع ذلك، فإن الأثر الديني والوعظي لهذا الخطاب يظل ضعيفا جدا لدى المتلقي، ومن هذا المنطلق أقرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطة تسديد التبليغ، التي تستوجب أن يكون التبليغ سديدا وموجها وفق قواعد وآليات محددة”.
وتابع الطاهري، في تصريح لهسبريس، أن “خطة ‘تسديد التبليغ’ تروم بالأساس ربط العبادات بالسلوك والمعاملات، ومن ثم تحقيق الحياة الطيبة للناس. لذا، يتعين على خطب الجمعة والأعياد، وكذا دروس الوعظ والإرشاد، أن تنطلق من هذا المنظور لتبليغ تلك القواعد، مما يفرض علينا، اعتمادا على هذه الخطب، أن نقيس بدقة حاجيات الناس الدينية والدنيوية، وأن نخاطبهم بالأسلوب والقواعد التي يفهمونها وتلامس واقعهم”.
وأكد أن “نجاح هذا المسار لا يمكن أن يتأتى إلا إذا خُوطب المجتمع بالقواعد والأساليب واللغة التي يفهمها ويألفها، ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لدمج اللغة الأمازيغية في الخطب المنبرية ودروس الوعظ والإرشاد داخل المساجد، حيث إن اعتماد الأمازيغية، خاصة في المناطق التي لا يفهم أهلها غيرها، لا يسهم فقط في تقريب قيم الدين ومعانيه من المواطنين وجعل التبليغ أكثر كفاءة وسدادا، بل يُعد خطوة مهمة أيضا لتطوير اللسان والمعجم الديني الأمازيغي وإغنائه”.
وخلص الباحث في التاريخ الديني والاجتماعي إلى أن “مجموعة من الفقهاء والوعاظ يبادرون بشكل فردي إلى شرح الدين بالأمازيغية لمرتادي المساجد ومجالس الوعظ، وهي خطوة جد إيجابية تحتاج إلى تحويلها إلى استراتيجية رسمية وهيكلية تتبناها المؤسسات الدينية لضمان وصول الرسالة الوعظية بفعالية إلى جميع فئات المجتمع”.
The post دعوات لاعتماد الأمازيغية في خطب الجمعة تجدد نقاشات "التبليغ الديني" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.