دعوات الى منع عرض "اغتراب"... فيلم تونسي يفجر معركة الحرية والقيم المجتمعية
أشعل فيلم "اغتراب" جدلاً كبيراً في تونس في الأيام الأخيرة وتحوّل في وقت قصير من عمل سينمائي جديد إلى مادة سجالٍ واسعة. ومنذ عرضه الأول تجاوز النقاش حوله حدود النقد الفنّي المعتاد، ليتحوّل إلى مواجهة مفتوحة بين رؤيتين مختلفتين للسينما ولحدود الجرأة والواقعية.
الفيلم من إخراج التونسي مهدي الهميلي وتدور أحداثه داخل مصنع للحديد، ويقدّم شخصيات تعيش على هامش الأمان الاجتماعي والنفسي، ويتحرك أبطاله داخل عالم مليء بالعنف والضغط واللغة البذيئة، وهي العناصر التي تحولت إلى مادة للسجال وكانت وراء دعوات الى منع عرضه في دور السينما ومقاطعته لما تضمنه من "مشاهد جريئة ومخالفة لقيم المجتمع"، فيما تحدث صنّاعه عن اعتزامهم تقديم نسخة خالية من تلك المشاهد المثيرة للجدل موجهة الى الجمهور العريض وأخرى موجّهة الى المهرجانات.

"استفزاز الجمهور"
بداية الجدل حول الفيلم كانت شبكات التواصل الاجتماعي مسرحها الأول حيث انقسمت الآراء بعد عرضه الأول بشكل حاد، بين من رأى فيه مرآة صادقة للهامش الاجتماعي، ومن اعتبره مجرد محاولة لصناعة الضجة.
الانتقادات الأولية للفيلم اعتبرت أن "اغتراب" يُجسد الصورة النمطية عن السينما التونسية التي "تتمادى في استفزاز الجمهور" عبر المبالغة في استعمال الكلمات البذيئة والمشاهد الجنسية، معتبرة أنه سقط في الاستعراض بدل بناء التوتر الدرامي.
وفي هذا الصدد كتب الصحافي محمد ماطري صميدة منشوراً قال فيه إن بعض الأعمال السينمائية لم تعد تكتفي بطرح الأسئلة أو تفكيك الواقع، بل صارت تختبئ خلف شعار "الجرأة الفنية" لتبرير ما لا يمكن تبريره: "انفلات لغوي وإغراق مقصود في ألفاظٍ سوقية ومشاهد تُقدَّم أحياناً كأنها صدمة مقصودة لذاتها لا لخدمة المعنى".
وأضاف أن "السينما في جوهرها ليست مرآة عمياء تنقل كل ما في الشارع كما هو بل هي إعادة تشكيل للعالم وغربلته". وتابع: "حين تتحول الكاميرا إلى ناقل مباشر للبذاءة اللفظية من دون ضرورة درامية محكمة، فإننا لا نكون أمام "واقعية جريئة" بل أمام عجز عن بناء خطاب بصري ولغوي متماسك".
ورأى أن "الخطير في الأمر ليس وجود لغة الشارع داخل العمل الفني فهذا قد يكون مبرراً أحياناً إذا خدم الشخصيات والسياق، بل أن تصبح هذه اللغة هي الجوهر وكأن الفيلم يراهن على الصدمة بدل الفكرة وعلى الاستفزاز بدل الإقناع". وفي تقديره "هنا تتآكل الحدود بين التعبير الفني والانحدار الجمالي."
View this post on Instagram
محاكمة أخلاقوية
في المقابل انتصر شقّ آخر لصناع الفيلم معتبرين أن الأحكام المسبقة عليه تكشف أزمةً أعمق تتعلق بعلاقة التونسيين بالفن المختلف وما تعرف بـ"سينما المؤلف" التي لا تعترف بالحدود والأحكام الأخلاقوية.
وأكد أصحاب هذا الرأي أن الفيلم تضمن "مشاهد صادمة" لكنها ضرورية، لأنها تقترب من شخصيات لا تظهر كثيراً في السينما المحلية مثل عمال المصانع، والمهمشين، والأفراد الذين يعيشون داخل بيئاتٍ عنيفة اقتصادياً ونفسياً.
وفي السياق، كتب الصحافي الثقافي ناجي الخشناوي منشوراً تساءل فيه عن قيمة أي فيلم إذا جاء خالياً من جرأة الطرح وجرأة الخطاب وجرأة الرسالة؟ ورأى أنه لا توجد مشاهد جريئة وأخرى خجولة، لأن الفيلم وحدة فنية/إبداعية متكاملة، و"وحدها التركيبة الذهنية للمشاهد من تقوم بهذه التقسيمات الزئبقية"، وفق تعبيره.
كذلك اعتبر أنه لا يمكن تقسيم لغة السينما إلى بذيئة وأخرى جميلة، لأن "اللغة هي اللغة والتصنيف الوحيد هو مستوى تداولها، ومقبولية ألفاظ من دون أخرى ليس إلا عملية انتقائية تحكمها سلطة أخلاقوية وحجم تناولها بين الناس".

سلطة مواقع التواصل
واعتبر رئيس نوادي السينما صابر بالرحومة في تصريح لـ"النهار" أن الضجة التي رافقت فيلم "اغتراب" ليست مرتبطة بمحتوى الفيلم فحسب، بل بطريقة استهلاك الجمهور للأعمال الفنية اليوم.
وأوضح أن "مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أحياناً أقوى تأثيراً من وسائل الإعلام وفضاءات النقد المتخصصة"، وهو ما يجعل النقاش في تقديره "يتحول بسرعة إلى سجال أخلاقي بدلا من نقاش فني بنّاء".
ورأى المتحدث أن صنّاع العمل السينمائي لهم الحرية التامة في اختيار لغة العمل الذي يقدمونه ومشاهده"مادام يخدم رؤيتهم"، لكنه في المقابل شدد على "أنهم مطالبون بتحمل مسؤولية خياراتهم".
واستنكر التوجه نحو تقديم نسخة معدّلة موجهة الى الجمهور العريض "خالية من المشاهد المثيرة للجدل"، مؤكداً أن العمل عادة يقع تصنيفه ووضع إشارات تنبّه إلى أنه لا يسمح بمشاهدته لسن معينة من دون التدخل في مضمونه.
ورغم اختلاف المواقف بشأنه، يبدو أن "اغتراب" نجح في خلق نقاشٍ عام يتجاوز دائرة النقاد والمتخصصين بين رؤيتين على طرفي نقيض، لتتواصل في تونس معركة قديمة تتجدد مع كل عمل فني صادم حول حدود حرية الفن وسلطة المجتمع.