درْسٌ وملاحظتان في توقيف علي المرابط!

في توقيف الزميل الصحافي علي المرابط، يوم الأحد 12 يوليوز 2026، بمطار ابن بطوطة بطنجة، مباشرة بعد قدومه من إسبانيا، ثم الإفراج عنه صبيحة يوم الأربعاء 15 يوليوز الجاري، وفق ما أفادت به النيابة العامة، هناك ملاحظتان مهمتان ينبغي التنويه بهما، بادئ ذي بدء:

الأولى، أن التوقيف شابه إخلال وعدم التزام بأقصى درجات المهنية، حيث أصر الشرطي الذي “مونط” (وضع الأصفاد في يديه)، دون حتى ذكر صفته الشرطية، على الرغم من مطالبة الموقوف (الصحافي المرابط) بالكشف عن صفته الأمنية. وهذا ما يخالف القانون المغربي، ولا سيما مقتضيات قانون المسطرة الجنائية والأنظمة الأساسية للمديرية العامة للأمن الوطني، التي تنص على وجوب تعريف رجل الأمن بصفته الرسمية لضمان مشروعية الإجراء الأمني، وحماية المواطنين من انتحال الصفة، خاصة عندما يكون الشخص الموقِف يرتدي ملابس مدنية ويدعي أنه شرطي، حيث من حق الموقوف، بل ومن واجبه، مطالبته بإبراز بطاقته المهنية قبل الامتثال لأي أمر أو تسليمه وثائقه الشخصية.

بل أكثر من ذلك، وحتى في حالة الشرطي الذي يرتدي زيه الرسمي المعتمد ويحمل صفة ظاهرية واضحة، ويعتبر الامتثال له فوراً واجباً منعاً لعرقلة عمله أو السقوط في جنحة “عدم الامتثال”، فإن القانون، مع ذلك، يخول للموقوف حق معرفة اسمه أو رقم شارته المثبت على صدره.

وهذا ما لم يحصل مع الصحافي علي المرابط عند توقيفه في مطار طنجة من قبل المصالح الأمنية بالمطار، وفق ما أفاد به المعني للصحافيين مباشرة بعد الإفراج عنه يوم الأربعاء.

الملاحظة الثانية هي إشادة الصحافي الموقوف بمعاملة عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وكذا النيابة العامة، وهما الجهتان اللتان تعاملتا معه، على ما يبدو، بمهنية واحترام للمساطر والإجراءات القانونية المعمول بها. بل أكثر من ذلك، سارعت النيابة العامة إلى إطلاق سراح الصحافي المرابط وإرجاع المحجوزات التي ضُبطت بحوزته إليه، وهي حاسوبان، ومفتاح تخزين، وهاتف محمول، بحسب بلاغ لوكيل الملك لدى المحكمة الزجرية بالدار البيضاء.

وحسناً فعلت النيابة العامة عندما أفرجت عن الزميل الصحافي المخضرم، واستدعته للمثول في حالة سراح على خلفية شكاية أو شكايات مرفوعة ضده، فالرجل، مهما يكن، معروف عنه -على الأقل كما أعرف وأتابع- اعتداله، وعدم مسه بالأعراض، أو لجوئه إلى ممارسات مذمومة في منشوراته وفيديوهاته التي ينشرها.

وبغض النظر عن كونك تتفق أو تختلف معه في طريقة تعامله وتحريره للأخبار، فإن علي المرابط يبقى، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، حتى من قبل بعض زملائه، صحافياً يحافظ، على الأقل، على الحدود الدنيا من المهنية، ولم يتخذ، مثلما فعل ويفعل أشخاص آخرون من مقامه بالخارج -وقد كان بإمكانه ذلك- منصة للانتقام أو الابتزاز أو التشهير.

درس التوقيف

في التصريح الذي أدلى به الزميل علي المرابط للزملاء في موقع “لكم”، يوم الأربعاء 15 يوليوز 2026، توجد إضاءات مهمة تميط اللثام عن الوضع الحالي لمؤسساتنا المغربية، والذي يمكن تلخيصه في كلمات هي: التخوف، والتردد، والالتباس.

فأما “التخوف”، فيعكسه موقف الأمني أو الأمنيين الذين تعاملوا مع الصحافي علي المرابط على مستوى المطار وبمدينة طنجة، والذين لم يترددوا في تعنيفه، وعدم التفاعل مع ما يطلبه منهم، انطلاقاً مما يكفله له القانون ويلزمهم به، وهو الكشف عن هويتهم. ويمكن تفسير ذلك برغبات شخصية منفصلة في التشبث بالرجعية الإدارية، والتسلط، وعدم الظهور بمظهر ما يعتقدون أنه ضعف أمام مواطن لا يطلب منهم سوى ما يسمح به القانون. وهذا التخوف لا يقتصر فقط على الإدارات الأمنية، بل قد تجده حتى في المقاطعات الإدارية التابعة لوزارة الداخلية، وفي إدارات وزارة المالية والضرائب، وفي مندوبيات وزارة التعليم، وفي نظارات وزارة الأوقاف، وغيرها من القطاعات، بحيث تجد هناك موظفين يرفضون بالمطلق التخلي عن الطرق العتيقة في التعامل مع المواطنين والمرتفقين، بل قد تجد من لا يزال حبيس تلك النظرة أو العقدة التي تجعله يتوهم أن التعامل مع المرتفق باحترام يعد تنازلاً عن مكانته الإدارية، بل حتى عن كرامته.

وأما “التردد” الذي نستشفه من حادث توقيف الصحافي الزميل، فهو ما برز من خلال عدم الحسم، منذ اللحظة الأولى، في التوقيف من طرف الجهات المعنية، وبدا أن العناصر الأمنية قد فوجئت منذ الوهلة الأولى بقدوم الموقوف إلى المغرب، وهو ما جعل الضباط ورؤساء الأمن، سواء في المطار أو على مستوى أمن مدينة طنجة، في حالة ارتباك، ولا يتوفرون على سلطة الحسم السريع، وبقوا ينتظرون تعليمات أو اتصالات قد تأتي من هنا أو من هناك، بينما كان الرجل الموقوف يصر على طرح السؤال وتكراره على موقفيه: هل أنا موقوف أم حر طليق؟ دون أن يجد جواباً كافياً وشافياً.

وهذا ما يجعلنا بصدد التساؤل ذاك السؤال المؤرق المتعلق بمسارنا الديمقراطي ككل، حول مركزية ولا مركزية القرار المغربي، حيث، في الغالب، وفي كل القطاعات الحكومية تقريباً، ما زال المغاربة رهيني ذلك الشعور المرير بأن كل شيء يُحسم في “الرباط” (العاصمة)، وأن “اللي بغا يشكي يطلع للرباط”، وهو اعتقاد تاريخي راسخ مرتبط بنظرة المغاربة عموماً إلى مركزية الإدارة أو “المخزن”.

وأما مظهر “الالتباس” الذي فضحته حادثة توقيف المواطن علي المرابط، فهو وقوف النيابة العامة والقضاء عموماً في حيرة من أمرهما. فكان مثيراً للاستغراب حقاً -على الأقل وفق ما جاء على لسان علي المرابط- ألا يستطيع نواب الملك أو النائب العام تقديم ما يبرر أسباب التوقيف. ووحدها عبارة “البنية السرية” ترددت على مسامع الصحافي الموقوف، باعتبارها “تشهيراً” صادراً عنه ضد مسؤولين، ذكر اثنين منهم بالاسم، وهما السيدان فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك، وعبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير المخابرات الداخلية. وفي ثنايا هذا “الاتهام” جاء التعقيب المربك للموقوف أمام المسؤولين القضائيين، عندما باغتهم بالتساؤل عن سبب عدم متابعة “يوتوبرز” طالما مسوا، ليس فقط بمن يفترض أنهم أعضاء في “البنية السرية”، وبمؤسسة الجيش والقضاء، بل حتى برمز الدولة الأول، وهو الملك.

لكن هذا “الالتباس” لم يمنع، في الأخير، من يبدو أنهم احتكموا إلى الفطنة، وهم، على أية حال، من يمثلون الجانب المشرق في الإدارة، من أن يتداركوا الأمر، ويصدروا قرارهم بالإفراج عن المواطن الصحافي الموقوف، ومعه حاجياته الشخصية.

هذا المشهد الملتبس في مؤسستي الأمن والقضاء لم يتكرر فقط في حادثة علي المرابط، بل حتى في حوادث وقضايا أخرى يعرفها المغاربة جيداً. كما أن الالتباس نفسه نجده في عديد من قرارات الإدارة المغربية في باقي القطاعات الأخرى، وهو، إن دل على شيء، فإنما يدل على الضبابية واللايقين والالتباس العام الذي يعرفه النموذج المغربي الهجين، الذي لم يحسم بعد في أي الطريقين سيتخذه مساراً دائماً: أهو المسار الديمقراطي، على غرار ما تتبعه البلدان المتحضرة والمتقدمة، أم أنه مسار الواجهة الديمقراطية المزيفة التي تواري خلفها رغبة التسلط والديكتاتورية؟

وفي انتظار الجواب، فقد تكفل علي المرابط، وأظن أن غالبية العقلاء سيكونون معه، ومنهم كاتب هذه السطور، بتقديم وصفة وجزء مهم وحاسم من الجواب، وهو ما أدلى به في التصريحات نفسها، من أنه لا ديمقراطية بدون وجود صحافة حرة في المغرب، وأن صاحبة الجلالة، بكامل عنفوانها وبسلطتها الرابعة، هي وحدها الكفيلة بأن تجعل البلاد ديمقراطية بلا شطط، وتجعل مسؤولي البلاد متحررين من أي تخوف أو تردد أو التباس.

إنه درس في الديمقراطية ينبغي التمعن فيه كثيراً وطويلاً.

ـ صحافي وباحث في الاتصال السياسي

اقرأ المقال كاملاً على لكم