دراسة وطنية تشخص أعطاب المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المغرب
أماطت نتائج دراسة وطنية أنجزتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة على آلاف المقاولات الصغيرة جدا اللثام عن “12 كشفا رئيسيا غير مسبوق حول وضعيتها الحقيقية”.
الدراسة، التي اطلعت هسبريس على نتائجها الكاملة الواردة ضمن تقرير مفصل بعنوان “المحرّك المعطَّل .. 12 حقيقة حول المقاولات الصغيرة جدا بالمغرب”، وجدت أن “العائق الرئيسي أمام تطور المقاولات الصغيرة جدا في المغرب لا يكمن في ضعف إمكانياتها؛ بل في عدم ملاءمة المنظومة الاقتصادية والإدارية والمالية الحالية”.
وكشفت عن “أزمة بنيوية عميقة تهدد العمود الفقري للاقتصاد الوطني، حيث تمثل هذه المقاولات 97 في المائة من النسيج المقاولاتي؛ لكنها تعاني من إقصاء ممنهج من آليات التمويل والأسواق”، بتعبير مُنجزي الدراسة.
ورصدت الوثيقة عينها أن المقاولات المعنية تواجه “معيقات هيكلية” كبرى تَحُدُّ من نموها، ومن “إدماجها في القطاع المهيكل”؛ بل ومن مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
وهمّت الحقائق الـ12 المرصودة، حسب “الكونفدرالية” المهنية سالفة الذكر، كلا من: التمويل، والقطاع غير المهيكل، والتحول الرقمي، والاستمرارية، والصفقات الخاصة، والصفقات العمومية، فضلا عن إشكاليات وتحديات تُلازمها في: العقار والتكوين والذكاء الاصطناعي والتصدير والتطور البنيوي و”المقاول الذاتي”.
العزلة والإفلاس
بيّنت الدراسة أن المغرب يضم أكثر من 4 ملايين مقاولة صغيرة جدا (4 ملايين و185 ألفا و580 بالتحديد)، مُعرّفة إياها بأنها مقاولات “لا يتعدى رقم معاملاتها 3 ملايين درهم”. ومع ذلك، فإن هذه القوة الإنتاجية تواجه “جدارا من المعوقات”، بتوصيف التقرير.
أول العوائق “عزلة تمويلية”، حيث وجدت الدراسة أن “أقل من 5 في المائة فقط من هذه المقاولات تصل إلى التمويل البنكي”، مقابل مواجهة 70 في المائة منها “نزيف الإفلاس”، مقدّرة أنها “لا تنجح في البقاء لأكثر من 3 إلى 5 سنوات”.
وبشأن “هدر الفرص العمومية”، أوردت الدراسة أنه “على الرغم من وجود كوطا قانونية تبلغ 20 في المائة، فإن حصة هذه المقاولات من الصفقات العمومية لا تتعدى 10 في المائة؛ مما يضيع على الاقتصاد المغربي 30 مليار درهم سنويا”.
ورصد المستند عينه “فجوة رقمية” بـ80 في المائة من المقاولات “تفتقر إلى حضور رقمي مهيكل”، على الرغم من أن “97 في المائة منها متصلة بالإنترنت”؛ مما يعني أن الاستخدام يظل “اجتماعيا” وليس “اقتصاديا”.
يحلل التقرير “مسار الفشل” الذي يفرضه النظام الحالي؛ فإقصاء المقاولة من القرض البنكي “يدفعها قسرا نحو القطاع غير المهيكل” (الذي يضم 41 في المائة من المقاولات).
وأضاف معلقا: “هذا الهروب ليس اختيارا؛ بل نتيجة لنظام إداري وضريبي غير ملائم”. وبمجرد دخولها نفق القطاع غير المهيكل، “تفقد المقاولة قدرتها على الرقمنة والولوج إلى الأسواق، لتنتهي –في الغالب- بالإفلاس”.
“السقوط الحر”
بلغة الأرقام، شهدت الفترة بين 2022 و2025 “تسارعا مرعبا في وتيرة الانهيار”، حيث سجل المغرب إفلاس نحو 150 ألف مقاولة؛ 99 في المائة منها مقاولات صغيرة جدا، وفق معطيات الدراسة سالفة الذكر.
وفي عام 2025 لوحده، وصلت الوتيرة إلى “إفلاس مقاولة كل 10 دقائق”. نتجت عن هذا الوضع آثار ماكرو-اقتصادية مدمرة: تجاوز معدل البطالة الوطني 13 في المائة، مع وصول بطالة الشباب (15-24 سنة) إلى نسبة قياسية تتعدى 50 في المائة، حسب المصدر ذاته.
وعن توسع القطاع غير المهيكل، تقول الدراسة إن هذا القطاع باتَ “يستوعب 77.3 في المائة من السكان النشطين؛ ليتحول من “هامش” إلى “قلب” الاقتصاد النابض نتيجة الإفلاسات المتتالية في القطاع المهيكل”.
نحو “نظام ملائم”
لم يكتفِ تقرير كونفدرالية المقاولات الصغرى بالتشخيص؛ فقدَّم حلولا عملياتية تتجاوز “الدعم الاجتماعي” إلى “الإصلاح الهيكلي”، بتعبيره.
وأوصت الوثيقة عينها بـ”إطلاق مساعد ذكاء اصطناعي (TPE Voice) لمواكبة المسيرين في التدبير والتمويل وتجاوز نقص التكوين”. كما نادت بـ”تأسيس تجمع نفع اقتصادي وطني (GIE) لتمكين المقاولات الصغيرة من التكتل للولوج الجماعي للصفقات العمومية والتمويل”.
في شق التمثيلية، تصدرت المطالبَ دعوة لـ”تمثيلية مؤسساتية دائمة في مجلس المستشارين وفي المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية (بنك المغرب، مكتب التكوين المهني…) لضمان صياغة قوانين تلائم واقع وحجمها في النسيج الاقتصادي”.
ولقطع الطريق أمام “تأخر الأداء” المسبّب لـ 50 في المائة من حالات الإفلاس، أوصت الهيئة المهنية منجزة الدراسة ببرنامج (Maillage) لفرض “تعاقد مباشر بين الشركات الكبرى والمقاولات الصغيرة جدا، مع “ضمان تسبيقات مالية وأداء في أقل من 30 يوما”.
وختمت بأن المقاولات الصغيرة في المغرب “لا تطلب المساعدة؛ بل تطلب نظاما ملائما”. ومن المنتظر أن تشكل المناظرة الوطنية الأولى للمقاولات الصغيرة جدا (27-28 يونيو 2026) المنعطف الحاسم لتحويل هذه المقترحات إلى “واقع تشريعي”.
The post دراسة وطنية تشخص أعطاب المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.