دراسة: غياب “السيادة الطاقية” وهيمنة الاحتكار يعرقلان التحول الصناعي الأخضر بالمغرب

أصدرت جمعية “أطاك المغرب” دراسة جديدة بعنوان “التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم“، وذلك ضمن جهودها التحليلية لدراسة ونقد التاريخ الاقتصادي للمغرب والسياسات الصناعية التي تبنتها الدولة.

وتأتي الدراسة في سياق الاهتمام العالمي المتزايد بما يُعرف بـ”السياسات التصنيعية الجديدة” و”السياسات التصنيعية الخضراء”، و”الانتقال نحو اقتصاد أخضر/ منزوع الكربون”.حيث يوجد المغرب في صلب هذه النقاشات العالمية، فرغم كونه لا يساهم إلا بنسبة هزيلة جدا من انبعاثات غازات الدفيئة (%0.2)، إلا أن آثار الأزمة البيئية والاحترار العالمي عليه كارثية (جفاف قاسٍ وحرائق وفيضانات مدمِّرة)، تؤثر على اقتصاده الضعيف وناتجه المحلي الإجمالي الذي لا يزال مرتبطا بالناتج المحلي الفلاحي.

 

وأكدت الدراسة أن المغرب لا ينكر التغيرات المناخية وآثارها الكارثية على البلاد، فالوثائق الرسمية تعج بمفاهيم “التنمية المستدامة”، و”الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر”، و”النمو الأخضر” و”إزالة الكربون”، لكن يبقى أنه رغم كل المجهودات على مستوى التصنيع  واندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، لايزال البلد غير مصنع، ويجري تورية ذلك وراء عبارات “ضعف مكاسب الإنتاجية”، و”محدودية خلق فرص العمل”، و”فخ البلدان متوطة الدخل”.

وأوضحت أنه بشهادة المؤسسات الرسمية مثل بنك المغرب ومندوبية التخطيط، لم تسفر سياسة الاستثمار العمومي رغم رغم معدلاتها المرتفعة، مقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة، عن تصنيع حقيقي. واشتكى بنك المغرب سنة 2019 من “ضعف الاستثمار الخاص، بالرغم من الحوافز العديدة الممنوحة، وأعلن شكيب بنموسى، رئيس اللجنة التي كلفها الملك بإعداد النموذج التنموي الجديد: أن “النيوليبرالية خذلتنا وخيبت الآمال”.

تبعية للخارج وقطاع خاص يحركه الاحتكار

واعتبرت الدراسة أن ما يطلق عليه بالمنجزات في مجال الطاقات المستدامة وخفض الكربون، يحتمل الكثير من الشك، فالمغرب يرفل في التبعية الطاقية للخارج، إذ يستورد 90 في المائة من طاقته، فضلا على أن القطاع الخاص هو المحتكر الأول لهذا التزويد، بينما هناك شكوك كثيرة حول منجزات تخفيض نسبة الانبعاثات، إذ تفسرها دراسات عديدة بانخفاض معدل النمو المتوقع خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين،  مقارنة بالسيناريوهات المفترضة، وليس بالتخفيف الفعلي لتلك الانبعاثات.

وسجلت “أن السعي المحموم للحصول على التمويل المناخي يشكل أحد دوافع الاهتمام الرسمي بالاقتصاد الأخضر؛ فالدولة أصبحت مدمنة على التمويل الخارجي، ولا تفوت أية فرصة للحصول عليه، وكل الخطط القطاعية للدولة، سواء تعلق الأمر بالخدمات العمومية أو الأهداف الاجتماعية، أو قضية إدماج النساء في التنمية، وأخيرا الأهداف المناخية، تربطها الدولة بشرط الحصول على التمويل، وهذا الأخير غالبا ما يكون ديونا وليس منحا، ما يرفع كلفة المديونية، التي تعد أحد عوائق تحقيق هذه الأهداف كلها”.

وشددت الدراسة على أن السياق العالمي نفسه هو أحد أكبر المعيقات في وجه سياسات صناعية خضراء، فهيكل الاقتصاد العالمي حيث تهيمن القوى الكبرى أي الغرب والصين، يجعل هامش التحرك نحو التصنيع الأخضر ضيقا جدا في وجه دول الجنوب العالمي، وضمنها المغرب، وبذلك فإن ما يسمى فرصة السياسات الصناعية الخضراء قد يتبدى سرابا إن لم تحدث قطيعة فعلية مع السوق العالمية وفك الارتباط معها، بشكل ينهي تبعية البلد الاقتصادية والسياسية للدول والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية.

التصنيع تهديد لمكاسب البرجوازية المغربية

وأضافت أن هذا المنظور ليس مطروحا أبدا في الأدبيات الرسمية للدولة المغربية، فلا تزال خطط التصنيع تحترم مكانة المغرب في قسمة العمل الدولية، تلك المكانة التي أرساها الاستعمار منذ بداية القرن العشرين: فعلى المغرب أن يتخصص في ما يمثل مزاياه النسبية؛ أي تزويد السوق الدولية بالمواد الخام والفلاحية، وحاليًا ما يطلق عليه بالمزايا التنافسية أي موقعه الاستراتيجي والاستقرار السياسي، ورخص يده العاملة، من أجل استقبال أنشطة تركيب في إطار سلاسل القيمة الدولية، حيث ما يزال المغرب في سافلة تلك السلاسل، رغم كل الحديث الرسمي عن تحول المغرب إلى “قوة صاعدة”، والتحول البنيوي في صادراته حيث أصبحت السلع المصنعة تشكل نسبة مهمة منها، لكن تبقى خلاصات دراسات عديدة هي: أن هناكُ الكثير من صنع في المغرب، لكن القليل جدا من صنع من طرف المغرب.

وأبرزت الدراسة أن التبعية للخارج ليست وحدها العائق في وجه أي تصنيع أخضر للبلد، بل تضافر هذه التبعية مع التركيب الطبقي الاجتماعي الحاكم، وإحدى مظاهره هو الوزن النسبي الكبير لقسم من برجوازية البلد المتكونة من الموردين الكبار، الذين استفادوا من الانفتاح التجاري وراكموا ثروات هائلة، ويشكل التصنيع بالنسبة لهم تهديدا لتلك المكاسب.

وأكدت أن مفهوم “السياسة” يوجد في قلب نقاش التصنيع والاقتصاد الأخضر في المغرب، فقد أدت عقود من تطبيق العقيدة النيوليبرالية وإجراءاتها إلى تواري مفهوم “السياسة”، وأخلي الساسة والحزبيون والمنظمات الاجتماعية من الساحة التي احتلها الخبراء ومكاتب الدراسات المؤدى عنها، والمؤسسات المالية الدولية، بيد أن أي تصنيع للبلد، وبالأحرى تصنيعا أخضر، يستدعي بالضرورة إعادة الاعتبار ل “السياسة”، والانتقال من اقتصاد يخدم مصالح قلة من المستفيدين من الوضع القائم، إلى اقتصاد يخدم الناس ويحافظ على البيئة للأجيال القادمة.

مسايرة “للاتحاد الأوروبي”

وعادت الدراسة للتذكير أنه في المغرب كان للدولة دور كبير في إرساء بنية تحتية وصناعية أولية بعد الاستقلال نيابة عن قطاع خاص مغربي متهرب من القيام باستثمارات بعيدة المدى، وميال للاستثمار في المضاربة العقارية والقطاعات ذات الربح السريع والمضمون، لكن بعد أن تقوى عود البرجوازية المحلية، قبلت بانسحاب الدولة من القطاعات الإنتاجية (برنامج التقوييم الهيكلي)، واستولت مع الرأسمال الأجنبي على جزء من البنية الصناعية التي بنتها الدولة عبر المالية العمومية. ومع الاستراتيجيات القطاعية الجديدة ابتداء من سنة 2005، تستفيد أيضا من البنية التحتية التي تنشئها الدولة من المالية العمومية، مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والسدود وأنظمة الريي، كل هذه البنى التحتية مصممة لخدمة الشركات الكبرى.

وأشارت أن تبني الدولة لشعارات الانتقال الأخضر والاقتصاد منخض الكربون مرده مسايرة الاتحاد الأوروبي، فرغم مساهمة المغرب الضعيفة جدا في الانبعاثات العالمية، لأنه متضرر جدا من التغيرات المناخية العالمية (دورات الجفاف الشديدُ والفيضانات) وتأثيرها على أداء الاقتصاد الوطني وضعف مصادر الطاقة. فقد تبنت الدولة في البداية استراتيجية طاقة مستدامة 2009، ثم بعد ذلك أدمجت اللون الأخضر في استراتيجياتها القطاعية، وكان هذا مدفوعا بالدرجة الأولى بالمعايير البيئية المتخذة في الاتحاد الأووروبي، وكان الهدف هو الحفاظ على الحصة التصديرية للمغرب في السوق الأوروبية، ولأن القطاع الخاص عاجز عن تطبيق هذه الاستراتيجيات، فإن الدولة هي التي تقدمت للتصدي لهذه المهمة.

وخلصت الدراسة إلى أن كل ما تقوم به الدولة ووراءها الرأسمال المحلي الكبير هو ركوب أمواج التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ومحاولة الاستفادة من النزاعات القائمة بين أقطابه الكبرى (الغرب والصين)، ومن هنا ما يجري الحديث عنه حاليًا بكثرة حول “اغتنام الفرص”، و”تنويع الشركاء الاستراتجيين”، مؤكدة أن التصنيع الأخضر لا يحتاج لمجرد إرادة رسمية، بل تتحكم فيه عناصر مستقلة تماما عن تلك الإرادة: منها حجم الفائض الاقتصادي، القاعدة الصناعية الموروثة، المديونية الخارجية، التبعية، وزن الرأسمال الأجنبي، حجم السوق الداخلية، والمستوى التكنولوجي.مشددة على أنه بدون تغيير سياسي اجتماعي يستحيل كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها الاقتصاد المغربي منذ خروج الاستعمار سنة 1956.

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم