دراسة: رغم الاعتراف بأهمية الضرائب.. المغاربة يرون أن النظام الضريبي يفتقر إلى العدالة

يكشف أول بحث مغربي حول الجوانب النفسية للضرائب أن المغاربة يرون في الضرائب أداة لخدمة المصلحة العامة، لكنهم في المقابل يعتبرون النظام الضريبي غير عادل، إذ تصدر تمثل “المصلحة العامة” نتائج الدراسة بنسبة 27.27 بالمائة من مجموع الاستجابات، يليه مباشرة تمثل “عدم العدالة” بنسبة 25.64 بالمائة، في مؤشر على العلاقة المركبة التي تربط المواطنين بالسياسة الضريبية في المملكة.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها مجلة “ساينتيفيك ريبورتس” في يوليوز 2026، وأعدها الباحثان محمد المير وخالد بوزلمات، أنها سعت إلى تحليل معتقدات ومشاعر دافعي الضرائب المغاربة، ورسم صورة نفسية شاملة للعلاقة بين المواطنين والسياسة الضريبية، انطلاقا من فرضية مفادها أن دافع الضرائب المغربي يحمل تصورا متناقضا تجاه الضرائب، إذ يعترف بأهميتها لكنه لا يشعر بثقة كافية تجاه الإدارة الضريبية.

 

ورأى الباحثان أن هذا التناقض يبرز وجود تصور واقعي لدى المواطنين، يقوم على الاعتراف بضرورة أداء الضرائب لخدمة المجتمع، مع التشكيك في عدالة النظام وآليات تدبيره، وهو ما قد يؤثر في الامتثال الضريبي مستقبلا.

احباط وعبء وتعقيد…

وأعتمدت الدراسة منهجا وصفيا نوعيا شمل عينة عشوائية من 100 مشارك مغربي تتراوح أعمارهم بين 20 و62 سنة، أجابوا عن استبيان مكون من 4 أسئلة تتعلق بتمثلاتهم ومشاعرهم تجاه الضرائب والنظام الضريبي المغربي.

وأفضت نتائج تحليل المضمون إلى 13 فئة رئيسية تلخص تصورات المغاربة تجاه الضرائب، شملت: المصلحة العامة، والثقة، وعدم العدالة، وانعدام الثقة، والتعقيد، والعبء، والإلزام، وعدم الامتثال، والفساد، والإحباط، والمعرفة الضريبية، والمساهمة، إضافة إلى فئة غير مصنفة.

وبلغ مجموع المضامين التي جرى ترميزها 386 استجابة، تصدرتها “المصلحة العامة” بـ105 إشارات، تلتها “عدم العدالة” بـ99 إشارة، ثم “الإحباط” بـ31، و”انعدام الثقة” بـ30، بينما سجلت “العبء” 27 إشارة و”التعقيد” 26، في حين جاءت “الإلزام” بـ21 إشارة، و”عدم الامتثال” بـ4 إشارات، و”الفساد” و”المعرفة الضريبية” بإشارتين لكل منهما، مقابل إشارة واحدة فقط لفئة “المساهمة”.

ووفقا للتحليل العام للاستجابات، خلص الباحثان إلى أن غالبية المشاركين يعتبرون الضرائب وسيلة لتحقيق المصلحة العامة، إلا أنهم يرون في الوقت ذاته أن النظام الضريبي غير عادل وغير منصف. كما أظهرت النتائج وجود مستويات أقل من الإحباط وانعدام الثقة، تليها تصورات تعتبر الضرائب عبئا وإجراء معقدا وإلزاميا، بينما بقيت مؤشرات الفساد وعدم الامتثال الضريبي محدودة للغاية ضمن إجابات المشاركين، مع تسجيل حضور ضعيف لمفاهيم المعرفة الضريبية والنظر إلى الضريبة باعتبارها مساهمة اجتماعية.

وأوضحت الدراسة أن “المصلحة العامة” شكلت أكثر التمثلات الاجتماعية تكرارا بنسبة 27.27 بالمائة من مجموع الاستجابات، بينما جاءت “عدم العدالة” في المرتبة الثانية بنسبة 25.64 بالمائة، تلتها “الإحباط” بنسبة 8.03 بالمائة، ثم “انعدام الثقة” بنسبة 7.77 بالمائة، و”العبء” بنسبة 6.99 بالمائة، و”التعقيد” بنسبة 6.73 بالمائة، و”الإلزام” بنسبة 5.44 بالمائة.

أما “عدم الامتثال” فلم يمثل سوى 1.03 بالمائة من الإجابات، مقابل 0.51 بالمائة لكل من “الفساد” و”المعرفة الضريبية”، و0.25 بالمائة لفئة “المساهمة”، فيما بلغت نسبة الإجابات غير المصنفة 5.18 بالمائة.

وعند تحليل النتائج بحسب الجنس، فإنها تشير إلى وجود تقارب واضح بين الرجال والنساء في تمثلاتهم ومشاعرهم تجاه الضرائب، مع تسجيل ميل أكبر قليلا لدى الرجال للنظر إلى الضرائب باعتبارها تحقق المصلحة العامة، وفي الوقت نفسه اعتبارها غير عادلة.

في المقابل، كانت النساء أكثر تعبيرا عن مشاعر الإحباط، في حين تقاربت مواقف الجنسين بشأن انعدام الثقة، والنظر إلى النظام الضريبي باعتباره عبئا ومعقدا وإلزاميا، مع تسجيل حضور ضعيف للغاية لموضوعي الفساد وعدم الامتثال الضريبي لدى الطرفين.

الشباب والثقة في النظام الضريبي 

كما أظهر تحليل الفئات العمرية أن العمر يؤثر في طبيعة التصورات الضريبية، إذ كان الشباب بين 20 و29 سنة الأكثر ميلا إلى اعتبار الضرائب خدمة للمصلحة العامة، بينما اتفقت الفئات العمرية المختلفة على اعتبار النظام الضريبي غير عادل، باستثناء الفئة بين 30 و40 سنة التي أبدت شعورا أقل بعدم العدالة.

وبينت النتائج أيضا أن الشباب أقل ثقة في النظام الضريبي مقارنة بالفئات الأكبر سنا، في حين اعتبرت الفئة المتوسطة العمر الضرائب عبئا بدرجة أكبر، بينما رأى كبار السن أن النظام يتسم بطابع إلزامي أكثر، مع بقاء الاعتقاد بانتشار الفساد محدودا نسبيا.

أما من حيث الوضع المهني، فأبرزت الدراسة أن العاملين وغير العاملين يشتركون في النظر إلى الضرائب باعتبارها تحقق المصلحة العامة، كما يتقارب مستوى الثقة بين الفئتين، غير أن العاملين أظهروا مستويات أقل من انعدام الثقة ومن اعتبار النظام الضريبي عبئا أو معقدا، بينما رأوا أنه يتسم بالإلزام بدرجة أكبر مقارنة بغير العاملين. كما سجلت حضورا ضعيفا للغاية لفكرة عدم الامتثال الضريبي أو الفساد لدى المجموعتين.

وصنف الباحثان المواقف العامة تجاه الضرائب إلى 3 اتجاهات رئيسية هي: إيجابي، وسلبي، ومحايد. واعتبرا أن الاتجاه الإيجابي يتمثل أساسا في الإيمان بأن الضرائب تخدم المصلحة العامة ووجود قدر من الثقة في النظام الضريبي.

بينما يضم الاتجاه السلبي أكبر عدد من الفئات، إذ يشمل عدم العدالة، وانعدام الثقة، والإحباط، والعبء، والتعقيد، والإلزام، وعدم الامتثال، والفساد، وهو ما يعكس غلبة التصورات السلبية مقارنة بالإيجابية والمحايدة. أما الاتجاه المحايد فيقتصر على المعرفة الضريبية والنظر إلى الضرائب باعتبارها مساهمة، ولم تتجاوز هذه الفئة 0.77 بالمائة من مجموع المضامين المرصودة.

وأكد الباحثان أن نتائج الدراسة تتماشى مع الأدبيات الدولية التي تربط الامتثال الضريبي بعوامل نفسية مثل الثقة، والعدالة، والمعرفة الضريبية، والانفعالات، والثقافة، معتبرين أن تحسين الامتثال لا يقتصر على الإجراءات القانونية أو الرقابية، بل يستلزم أيضا تعزيز التصورات الإيجابية لدى المواطنين، وتطوير استراتيجيات تواصل فعالة ترفع الوعي الضريبي وتقوي الثقة في النظام الضريبي المغربي، مع الإشارة إلى أن الدراسة رصدت نقصا في التقييم العلمي لفعالية حملات التواصل والتحسيس الحالية في هذا المجال.

وخلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين المغاربة والضرائب تتسم بالتذبذب بين القبول والرفض؛ فمن جهة يعتبر المواطنون الضرائب أداة تخدم الصالح العام ويجب الالتزام بها، ومن جهة أخرى يشكون من غياب العدالة ويعبرون عن الإحباط تجاه طريقة اشتغال النظام الضريبي.

وأوصى الباحثان بتوسيع الأبحاث المتعلقة بالتصورات والمشاعر الضريبية لدى المغاربة، وإجراء دراسات تشمل عينات أكبر وأكثر تنوعا جغرافيا واجتماعيا وثقافيا، مع تعميق البحث في العمليات النفسية المؤثرة في السلوك الضريبي بما يساهم في إصلاح النظام الضريبي، وتقليص مشاعر عدم العدالة وانعدام الثقة، وتعزيز الثقة بين المواطنين والإدارة الضريبية.

كما نبهت الدراسة إلى أن صغر حجم العينة يحد من إمكانية تعميم النتائج على مجموع السكان، ودعت إلى اعتماد أدوات بحث أكثر تنوعا ومزج الأساليب الكمية والنوعية في الدراسات المستقبلية.

اقرأ المقال كاملاً على لكم