دراسة رسمية ترصد أبرز مظاهر السلوك غير المدني بالفضاءات العمومية
اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية، عبر “ضمان التفعيل الصارم، ووفق مساطر مبسطة، للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالمخالفات والجنح التي تمس بالنظام العام والسكينة العمومية، مع الحرص على إعمال مقتضيات قانون العقوبات البديلة”، مناديا بـ”إرساء إطار معياري موحد للعقوبات الإدارية المرتبطة بالإخلال بالسلوك المدني في الفضاء العمومي”.
وقال عبد القادر عمارة، رئيس المجلس، خلال تقديم إحاطة عامة حول مخرجات رأيه بشأن “السلوك المدني في الأماكن والفضاءات العمومية.. نحو ترسيخ قيم المواطنة خدمة للتنمية المستدامة”، صباح اليوم الأربعاء، إن هذا الإطار يتعين أن “يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية، ويدرج ضمنه بدائل تربوية وإصلاحية، مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو الدورات التكوينية”.

“إحصائيات دالة”
جرى إعداد التقرير بعد نقاشات بين مختلف الفئات المكونة للمجلس، فضلا عن مُخرجات جلسات الإنصات التي نظمها المجلس مع أبرز الفاعلين المعنيين، إضافة إلى بحث ميداني شمل عينة تمثيلية (وفق معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024)، تضم 1012 مواطنة ومواطنا، حول تمثلاتهم للسلوك المدني في الفضاءات العمومية.
وأظهرت نتائج البحث أن 7 في المائة من المستجوبين يقيّمون مستوى السلوك المدني بأنه “مرتفع جدا”، و52 في المائة يعتبرونه “مرتفعا”؛ فيما يراه 32 في المائة “ضعيفا”، و9 في المائة “ضعيفا جدا”. كما أفاد 59 في المائة من المستجوبين بأن مستوى السلوك المدني “يشهد تحسنا”، مقابل 24 في المائة يرونه “مستقرا”، و18 في المائة يعتبرون أنه “في تراجع”.
وفي ما يتعلق بمظاهر السلوك غير المدني، برزت قضايا النظافة والبيئة، بما في ذلك النفايات والتلوث وتخريب التجهيزات، باعتبارها الأكثر حضورا في تصورات المستجوبين بنسبة 77 في المائة، تليها مظاهر العنف والسلوكيات غير السوية، من قبيل العدوانية والتحرش والتصريحات العدائية، بنسبة 74 في المائة، ثم السلوكيات غير المدنية المرتبطة بالطرق، مثل عدم احترام قانون السير والسلوكيات الخطيرة، بنسبة 40 في المائة.

أما على مستوى الفضاءات العمومية الأكثر تأثرا بهذه السلوكيات، فقد تصدرت الطرق العمومية والفضاءات الحضرية القائمة بنسبة 67 في المائة، تلتها وسائل النقل العمومية والمرافق العمومية بنسبة 61 في المائة لكل منهما؛ فيما أشار 37 في المائة من المستجوبين إلى المواقع الطبيعية والشواطئ باعتبارها من بين الفضاءات المتضررة.
كما أظهرت النتائج أن أبرز انتظارات المواطنين تتركز في مجالات تدخل ذات أولوية تشمل المرافق العمومية بنسبة 64 في المائة، والطرق العمومية والفضاءات الحضرية بنسبة 58 في المائة، ووسائل النقل العمومي بنسبة 57 في المائة.
“نحو إعادة البناء”
وشدد عبد القادر عمارة على ضرورة “إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يرتكز على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك في الفضاءات العمومية، ويعتمد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الأطراف المعنية، مع الحرص على تنزيله على المستويين الوطني والترابي”، مضيفا أنه تجب “دراسة إمكانية توسيع نطاق تدخل مؤسسة ‘المغرب 2030’ لتساهم في تنزيل المشروع الوطني المقترح، بمعية مختلف الفاعلين والشركاء المعنيين”.
وخص المسؤول ذاته المجتمع المدني بالذكر الذي يتعين إشراكه، بغاية “النهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، باعتباره محورا رئيسيا في التحضيرات لكأس العالم 2030″، موضحا أنه “ينبغي استثمار الدينامية التي تتيحها الاستحقاقات الدولية الكبرى المتعلقة بكرة القدم وغيرها من الرياضات، بجعلها رافعة لإحداث أثر مستدام على مستوى الارتقاء بالسلوك المدني وتحسين جودة الفضاء العمومي”.

وشدد المتحدث على ضرورة “إعداد وتنفيذ مدونة وطنية للسلوك المدني في المرافق العمومية، في انسجام مع مقتضيات القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية”، مبرزا أن “المتوخى من هذه المدونة أن تسعى إلى تحديد مسؤوليات الموظف العمومي والمرتفق في علاقتهم بالمرفق العمومي والحفاظ عليه، وتحديد معايير الجودة في استقبال المرتفقين ومعاملتهم وتقديم الخدمات لهم”.
وأفاد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بضرورة “الحرص على أن تتحمل المرافق العمومية مسؤولية أساسية في إعمال مبدأ ‘مثالية’ السلوك المدني، من خلال تزام المسؤولين والموظفين بممارسات نموذجية تعكس روح القانون ومقتضياته ومعايير الحكامة الجيدة”، موردا أهمية “إدراج أنشطة تربوية، بشكل صريح وواضح، ضمن الإطار المرجعي للمنهاج والبرامج والمقررات الدراسية، ابتداء من مرحلة التعليم الأولي وعلى امتداد مختلف مكونات ومستويات منظومة التربية والتكوين”.

“رهان للمستقبل”
أكد عمارة أن الرأي يبرز أن “الهدف هو تنمية السلوكيات المدنية وتعزيز التملك التدريجي للقيم التي تقوم عليها، مع ضمان تفعيلها بشكل فعلي من خلال مقاربات بيداغوجية ملائمة، ولا سيما عبر تعزيز الأنشطة الموازية”، مشيرا إلى أن “تعزيز السلوك يقتضي تعبئة منسَّقة ومستدامة لكافة الفاعلين؛ من مواطنات ومواطنين، ومؤسسات، وجماعات ترابية، ومجتمع مدني، ووسائل إعلام، وقطاع خاص، حول مبادرات متكاملة”.
وذكر المتحدث أن “التوجه ينبغي أن يرتكز على ثلاث رافعات مترابطة بشكل وثيق؛ أولاها: تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين بما يضمن احترام قواعد السلوك المدني في الفضاءات العمومية؛ وثانيتها: توطيد مبدأ ‘مثالية’ التدبير لدى المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص، من خلال التحسين المستمر لممارسات التدبير، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتطوير البنيات التحتية؛ فضلا عن تعزيز التطبيق الصارم للقواعد المنظمة للفضاءات العمومية بما يكفل احترامها والحد من السلوكيات غير المدنية والوقاية منها”.
وشدد المسؤول عينه على أن “المتوخى، في نهاية الأمر، هو إعادة الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره ملكا مشتركا، عبر تحسين جودته والولوج إليه واستعمالاته، بما يجعله إطارا محفِّزا على ترسيخ السلوكيات المدنية بشكل مستدام”، موردا أن “نهائيات كأس العالم 2030، التي ستنظمها المملكة المغربية بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة سانحة لتسريع هذا المسار، عبر جعل السلوك المدني عنصرا أساسيا ضمن التحضيرات الوطنية لهذا الحدث الدولي المهم”.
The post دراسة رسمية ترصد أبرز مظاهر السلوك غير المدني بالفضاءات العمومية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.