دراسة: تعاطي الحشيش لا يضعف الذاكرة فقط بل يدفع الدماغ إلى اختلاق ذكريات لم تحدث

كشفت دراسة علمية حديثة أن مادة “تي إتش سي” (THC)، المركب الكيميائي الأساسي المسؤول عن التأثيرات النفسية “المخدرة” في الحشيش، لا تقتصر آثارها على إضعاف الذاكرة، بل قد تؤدي أيضا إلى تكوين ذكريات زائفة يشعر بها الأفراد كما لو كانت حقيقية، وذلك استنادا إلى دراسة نُشرت في مجلة “جورنال أوف سايكوفارماكولوجي”.

وأفادت الدراسة بأن تأثير الحشيش على الذاكرة أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد سابقا، إذ لا يقتصر على التشويش أو النسيان، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الذكريات نفسها، بما يزيد من احتمالات تذكّر أحداث لم تقع أساسًا، وهو ما يُعرف علميًا بـ “الذاكرة الزائفة”، مضيفة أن هذه النتائج وسّعت نطاق الفهم السابق لتأثير القنب على عمليات التذكر، من حيث دقة الذاكرة وليس فقط قوتها.

 

وأوضحت الدراسة أن تكوين الذاكرة يمر بثلاث مراحل رئيسية هي الترميز، والتثبيت، والاسترجاع، وأن مادة THC تؤثر على هذه المراحل بطرق مختلفة، ما يؤدي إلى اضطراب في تكوين الذكريات أو استرجاعها بدقة، حيث بيّنت أن تنشيط المسارات العصبية المرتبطة بالذاكرة يتأثر بشكل مباشر بهذه المادة، مما ينعكس على جودة الاستدعاء لاحقًا.

كما كشفت أن هذا التأثير يرتبط بتفاعل THC مع نظام “الإندوكانابينويد” في الجسم، وهو نظام إشارات عصبية ينظم عدة وظائف من بينها الذاكرة، إذ يؤدي ارتباط المادة بمستقبلات «CB1» إلى تحفيز مفرط وغير منظم، يعطل النمط الطبيعي لعمل الدماغ في تكوين الذكريات .

وبيّنت الدراسة، في شقها التجريبي، أن الباحثين قسموا 120 مشاركا من مستهلكي الحشيش إلى مجموعات تلقت جرعات مختلفة من THC أو مادة وهمية، ثم خضعوا لاختبارات متعددة للذاكرة بلغ عددها 21 اختبارا، حيث أظهرت النتائج أن نحو 70 في المئة من المشاركين عانوا من مستويات متفاوتة من ضعف الذاكرة، خاصة في ما يتعلق بترتيب الأحداث ومصدر المعلومات، بينما سجلت الذاكرة الزائفة وذاكرة المصدر أعلى مستويات التأثر.

وأوضحت النتائج أن الذكريات الزائفة تنشأ عندما يحاول الدماغ سدّ فجوات في المعلومات الناقصة، إذ يؤدي ضعف الترميز إلى تخزين تفاصيل أقل دقة، وعند الاسترجاع يعيد الدماغ بناء الحدث بدلًا من استعادته كما هو، ما يفتح المجال لإدخال معلومات غير صحيحة لكنها تبدو مألوفة، مضيفة أن THC يضعف القدرة على استرجاع التفاصيل الدقيقة مع الحفاظ على الإحساس العام بالألفة، وهو ما يزيد من احتمالات الخطأ في التذكر.

كما أفادت الدراسة بأن المشاركين تحت تأثير THC أظهروا ضعفا واضحا في تحديد مصدر المعلومات، مثل التمييز بين ما إذا كانت معلومة ما قد قُرئت أو شوهدت، وهو ما يعزز تأثير المادة على “ذاكرة المصدر”، مشيرة إلى أن هذه النتائج تتماشى مع دراسات سابقة، من بينها دراسة أُجريت في هولندا عام 2020، والتي بيّنت أن مستخدمي القنب كانوا أكثر عرضة لتذكر معلومات لم يتعرضوا لها فعليًا .

وأوضحت الدراسة أن هذه التأثيرات ترتبط بمنطقة “الحُصين” في الدماغ، المسؤولة عن تثبيت الذكريات، حيث أظهرت أبحاث سابقة أن THC قد يعطل العمليات الحيوية داخل الخلايا العصبية، ما يؤدي إلى تخزين الذكريات بشكل أقل دقة واستقرارًا .

وفي المقابل، أشارت الدراسة إلى أن هناك جوانب لا تزال غير محسومة، خاصة فيما يتعلق بالفروق الفردية مثل الاختلافات بين الجنسين، وكذلك تأثير طرق استهلاك القنب، إذ لفتت إلى أن الاستنشاق يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات THC مقارنة بالاستهلاك عبر الأطعمة، دون حسم تأثير ذلك بشكل كامل على الذاكرة .

وخلصت الدراسة إلى أن تأثير مخدر الحشيش على الذاكرة، رغم ثبوته، لا يُعد بالضرورة شديدا مقارنة بمواد أخرى مثل الكحول، كما أفادت بأن هذه التأثيرات تكون مؤقتة، إذ يمكن أن تستعيد الذاكرة وظائفها بشكل كامل بعد الامتناع عن استخدام الحشيش لفترة زمنية تصل إلى شهر.

اقرأ المقال كاملاً على لكم