دراسة: القلق المناخي لدى الفلاحين المغاربة لا يرتبط فقط بالخسائر الزراعية بل أيضا بالخصائص النفسية للأفراد
كشفت دراسة جديدة أن السمات الشخصية للمزارعين المغاربة تلعب دوراً مهماً في تشكيل مستوى القلق المرتبط بالمخاطر المناخية، حيث أظهرت النتائج أن الاستقرار العاطفي يرتبط بانخفاض مستويات القلق من تغير المناخ، بينما ترتبط سمتا الانفتاح على التجارب والانبساط بارتفاع مستويات هذا القلق، وذلك بناءً على تحليل شمل 331 أسرة من مزارعي الحبوب في جهة مراكش-آسفي، إحدى أكثر المناطق المغربية تعرضاً لتداعيات التغيرات المناخية.
الدراسة المنشورة في يونيو 2026 في دورية “ساينتيفيك ريبورتس” التابعة لمجموعة “نيتشر” العلمية تسلط الضوء على بعد نفسي ظل أقل حضوراً في الأبحاث المتعلقة بالتغير المناخي في المغرب، إذ ركز الباحثون على ما أسموه “الإدراك الوجداني للمخاطر المناخية”، أي مستوى القلق والانشغال الذي يشعر به الأفراد تجاه التهديدات المناخية وتأثيراتها المحتملة على حياتهم ومصادر رزقهم.
وخلصت الدراسة إلى أن الاختلافات في مستويات القلق بين المزارعين لا ترتبط فقط بدرجة تعرضهم للمخاطر المناخية أو بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، بل تتأثر أيضاً بخصائصهم النفسية والشخصية المستقرة نسبياً، حتى عندما يعيشون في الظروف البيئية نفسها ويتعرضون للمخاطر ذاتها.
واعتمدت الدراسة على معطيات ميدانية جُمعت بين نونبر 2024 ومارس 2025 من أربع أقاليم بجهة مراكش-آسفي. واختار الباحثون هذه الجهة بالنظر إلى كونها تمثل مختبراً طبيعياً لدراسة آثار التغير المناخي، حيث تمتد على مساحة 38167 كيلومتراً مربعاً وتتميز بمناخ شبه جاف وتفاوت كبير في التساقطات المطرية، بينما تتلقى نحو نصف مساحتها أقل من 300 مليمتر من الأمطار سنوياً، ما يجعلها من أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية.
الزراعة البورية كنشاط رئيسي
وأوضح التقرير أن النشاط الزراعي يشكل المصدر الرئيسي للعيش بالنسبة للسكان القرويين في الجهة، وأن القطاع واجه خلال العقدين الأخيرين ضغوطاً متزايدة نتيجة توالي موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات، وهو ما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية وتراجع الإنتاجية الزراعية. وتبرز زراعة الحبوب البورية، وخاصة القمح والشعير، باعتبارها نشاطاً محورياً بالنسبة لـ96612 مزارعاً في المنطقة، يعتمدون عليها لتأمين الدخل والعيش، رغم الخسائر المتكررة التي تتسبب فيها الاضطرابات المناخية.
واعتمد الباحثون في قياس السمات الشخصية على نموذج “العوامل الخمسة الكبرى” المعتمد عالمياً في علم النفس، والذي يشمل الانفتاح على التجارب، والانضباط أو الضمير المهني، والانبساط، والتوافق الاجتماعي، والعصابية التي جرى عكسها لقياس الاستقرار العاطفي. وبعد تحليل البيانات، تبين أن الاستقرار العاطفي كان أكثر السمات ارتباطاً بانخفاض القلق المرتبط بالمناخ، بينما ارتبط الانبساط والانفتاح على التجارب بزيادة مستويات القلق والانشغال تجاه المخاطر المناخية. وفسر الباحثون ذلك بأن الأشخاص الأكثر انفتاحاً والأكثر تفاعلاً اجتماعياً يميلون إلى البحث عن المعلومات ومتابعة المستجدات، ما يزيد وعيهم بالتهديدات المناخية ويجعلهم أكثر حساسية تجاهها.
وفي المقابل، أشارت النتائج إلى أن المزارعين الذين يتمتعون بدرجات مرتفعة من الاستقرار العاطفي والانضباط الشخصي أقل ميلاً إلى التعبير عن القلق المرتبط بالمناخ، وهو ما ربطه الباحثون بقدرتهم الأعلى على ضبط الانفعالات والتعامل مع حالات عدم اليقين والضغوط. كما سجلت الدراسة ارتباطاً سلبياً بين سمة التوافق الاجتماعي ومستوى القلق المناخي، وهو ما فسره التقرير بإمكانية استفادة هؤلاء المزارعين من شبكات الدعم الاجتماعي والتضامن المحلي التي تخفف من إحساسهم بالمخاطر الفردية.
ومن بين المعطيات اللافتة التي كشفتها الدراسة أن المزارعين المشاركين أظهروا مستويات مرتفعة نسبياً من الانضباط الشخصي والتوافق الاجتماعي والانبساط. فقد بلغ متوسط الانضباط 3.93 من أصل 5، بينما بلغ متوسط التوافق الاجتماعي 3.97، والانبساط 3.82. في المقابل، بلغ متوسط الانفتاح على التجارب 2.85، في حين سجل الاستقرار العاطفي متوسطاً قدره 3.00. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعكس طبيعة المجتمعات الزراعية المغربية التي تعتمد بدرجة كبيرة على التضامن الاجتماعي والعمل الجماعي والتخطيط لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية.
كما أظهرت البيانات أن أكثر مصادر القلق المناخي لدى المزارعين ترتبط بالمردودية الزراعية للمحاصيل، حيث بلغ متوسط القلق بشأن تأثير التغير المناخي على الغلة الزراعية 2.78 من أصل 5، يليه القلق على رفاه المجتمع المحلي بمتوسط 2.68. أما القلق المرتبط بالدخل الأسري والصحة الأسرية فقد جاء في مستويات أدنى نسبياً، ما يشير إلى أن التأثيرات الزراعية المباشرة تظل الأكثر حضوراً في إدراك المزارعين للمخاطر المناخية.
السمات الشخصية العليا
وتضمنت الدراسة تحليلاً لما يسمى “السمات الشخصية العليا”، وهي تركيبات نفسية أوسع تجمع عدداً من السمات الأساسية. وفي هذا الإطار، توصل الباحثون إلى أن سمة “المرونة النفسية” التي تجمع بين الانفتاح والانبساط ارتبطت بارتفاع مستويات القلق المناخي، بينما ارتبطت سمة “الاستقرار النفسي” التي تجمع بين الاستقرار العاطفي والتوافق الاجتماعي والانضباط بانخفاض القلق. وتكشف هذه النتيجة، وفق التقرير، عن وجود توازن نفسي معقد بين الميل إلى استكشاف المعلومات والانخراط في البيئة المحيطة من جهة، والقدرة على ضبط الانفعالات والتكيف النفسي من جهة أخرى.
وأبرز التقرير أيضاً وجود علاقة غير خطية بين الاندماج الاجتماعي والقلق المناخي. فالمزارعون الذين يتمتعون بمستويات متوسطة من الاندماج الاجتماعي أظهروا مستويات أقل من القلق، في حين ارتفعت مستويات القلق مجدداً لدى الفئات الأكثر اندماجاً اجتماعياً. ويرى الباحثون أن الشبكات الاجتماعية القوية يمكن أن توفر دعماً متبادلاً يقلل الشعور بالمخاطر، لكنها في الوقت نفسه قد تسهم في انتقال المخاوف والضغوط بشكل جماعي عندما تتصاعد التهديدات البيئية المشتركة.
وعلى مستوى الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للعينة المدروسة، كشفت النتائج أن غالبية المزارعين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 40 و79 سنة، فيما بلغ متوسط سنوات الدراسة 4.52 سنوات فقط. كما بلغ متوسط مدة الإقامة في المجتمعات المحلية نحو 50.92 سنة، وهو ما يعكس ارتباطاً قوياً بالأرض والمجال القروي. ووصل متوسط عدد أفراد الأسرة إلى 6 أشخاص، بينما بلغ متوسط عدد المعيلين 1.63 شخص لكل أسرة. أما فيما يتعلق بالتعرض للظواهر المناخية المتطرفة، فقد أفاد المزارعون بأنهم شهدوا في المتوسط 4.98 أحداث مناخية كبرى خلال العقدين الماضيين.
الأصول الإنتاجية والحيوانية
وتبين من المعطيات الزراعية أن متوسط مساحة الاستغلاليات بلغ 17.63 هكتاراً، وأن 66 في المائة من الأراضي تقع في مناطق منبسطة، بينما اعتبر 73 في المائة من المزارعين أن أراضيهم تتمتع بخصوبة مرتفعة. كما سجلت الدراسة امتلاك الأسر الزراعية لمجموعة من الأصول الإنتاجية والحيوانية التي تشكل آلية مهمة للتعامل مع الصدمات الاقتصادية والمناخية.
وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني أن السمات الشخصية تحدد بشكل مباشر سلوك التكيف مع التغير المناخي أو نجاحه، لكنها تكشف وجود روابط نفسية مؤثرة في الطريقة التي يدرك بها المزارعون المخاطر ويشعرون بها. وأوضحوا أن إدراك المخاطر المناخية يمثل مرحلة أساسية تسبق اتخاذ قرارات التكيف، وأن فهم الاختلافات النفسية بين الأفراد يمكن أن يساعد في تصميم سياسات أكثر فعالية واستهدافاً.
وفي ضوء هذه النتائج، دعا التقرير إلى تطوير استراتيجيات للتواصل المناخي تراعي التنوع النفسي داخل المجتمعات الزراعية المغربية، مشيراً إلى أن الرسائل الموحدة قد لا تكون فعالة بالدرجة نفسها لدى جميع الفئات. كما أوصى بالاستفادة من خدمات الإرشاد الزراعي والإنذار المبكر لتقديم رسائل تتناسب مع أنماط التفكير والاستجابة المختلفة لدى المزارعين، مع مراعاة الأبعاد العاطفية والنفسية إلى جانب الجوانب التقنية والاقتصادية.
واعتبرت الدراسة أن إدماج البعد النفسي في سياسات التكيف مع التغير المناخي يمكن أن يعزز من فعالية التدخلات العمومية الرامية إلى بناء القدرة على الصمود في الأوساط القروية المغربية، خصوصاً في المناطق الأكثر هشاشة أمام الجفاف وندرة المياه. كما شددت على أهمية مواصلة البحث العلمي في هذا المجال من خلال دراسات طويلة الأمد تتابع تطور الإدراك والسلوك بمرور الزمن، بما يسمح بفهم أفضل للعلاقة بين القلق المناخي وقرارات التكيف الفعلية لدى المزارعين المغاربة.