دبلومَاسيةُ اللُّغات
هل تختار الشعوب لغاتها كما تختار مصائرها، أم ترثُ ألسنتها من خرائط أعادت الحروب والتحالفات والهزائم رسْمَها؟ ثم من قال إن اللغة تنبع دائمًا من اختيار حرّ، وهي في أحيان كثيرة الأثر البعيد لحربٍ غيّرت الموازين، أو تحالفٍ ثبّت النفوذ، أو هزيمةٍ كسرت الإرادة، أو احتلالٍ فرض منطقه، أو قوةٍ صاغت اللسان قبل أن تصوغ السياسة؟ لا تبدو اللغة، في مثل هذه اللحظات، وسيلة تواصل فقط، إنها أثرٌ سياسيّ ناعم، يحمل في داخله ذاكرة المنتصرين، وصمت المهزومين، وشروط العالم الذي جعل لسانًا ما طريقًا إلى النفوذ، ولسانًا آخر مجرد احتمال ضائع في التاريخ.
دبلوماسية القواميس المفخخة
في لحظة دبلوماسية مثقلة بذاكرة التاريخ ورمزية الجغرافيا، خاطب الملك تشارلز الثالث دونالد ترامب قائلًا: “لولا بريطانيا، لكنتم تتحدثون الفرنسية.” تبدو الجملة، في ظاهرها، ملاحظة عابرة تحمل خِفَّة المجاملة التاريخية، لكنها في عمقها تفتح بابًا واسعًا على علاقة اللغة بالقوة، وعلى الطريقة التي تتحوّل بها الألسن إلى آثار باقية للغزو، والتحالف، والهيمنة، وإعادة تشكيل المصائر. والحقيقة أن اللغات لم تكن يومًا كائنات محايدة تتحرك خارج السياسة. إنها لا تنتشر لأنها الأجمل بالضرورة، ولا لأنها الأعمق أو الأكثر إنسانية، وإنما لأنها تجد خلفها قوة تدفعها إلى الأمام: دولة توسع نفوذها، أو جيشًا يعيد رسم الحدود، أو سوقًا يفرض قواعده، أو مؤسسة تجعل إتقانها شرطًا غير معلن للقبول والنجاح. هكذا تصبح اللغة، في كثير من الأحيان، أثرًا ناعمًا من آثار السلطة؛ لا تُفرض دائمًا بالسلاح، لكنها تستقر عبر المدرسة، والإدارة، والتجارة، والعمل، والمنصات التي تحدد للإنسان أي لسان يفتح له الأبواب، وأي لسان يبقى حميمًا وجميلًا لكنه أقل قدرة على صناعة المستقبل.
الإنجليزية، التي يتعامل معها العالم اليوم كأنها قدر طبيعي، لم تهبط من السماء في هيئة قاموس أكسفورد، ولم تصعد إلى موقعها الحالي بفضل عبقرية لغوية خالصة. إنها لغة صنعت قوتها من تاريخ طويل من الأخذ والتحوُّل. أخذت من الفرنسية بعد معركة هاستينغز Hastings ما منحها طبقة من الرقي الاجتماعي والسياسي، واستدعت اللاتينية كلما احتاجت إلى نبرة عقلانية ومؤسساتية، ثم حملت الإمبراطورية البريطانية إليها مفردات من القارات التي عبرتها، ومن الشعوب التي احتكت بها، ومن الأسواق التي فتحتها بالقوة أو النفوذ. ومع صعود العولمة، وجدت الإنجليزية نفسها في قلب التكنولوجيا والتمويل والإدارة والتنمية الذاتية وثقافة الاجتماعات العابرة للحدود، حتى صارت لغةً لا يفهمها الجميع بالقدر نفسه، ومع ذلك يضطر كثيرون إلى استخدامها كي يظلوا داخل اللعبة.
أما الفرنسية، فلا يصحّ أن تظهر في صورة الضّحية البريئة لتعليق ملكي عابر. لقد عاشت زمنًا طويلًا لغةً للصالونات الأوروبية، وللنخبة، وللاتفاقيات الدبلوماسية، ولمن أراد أن يربط صورته بالرّقي والتمدن والشرعية الثقافية. حضرت الفرنسية في المدارس والإدارات والمعاهدات، ومنحت الهيمنة أحيانًا مظهرًا أكثر تهذيبًا. لم تكن قوتها في جمالها وحده، ولا في أناقة نبرتها فقط، وإنما في قدرتها على مرافقة السلطة وهي ترتدي هيئة الثقافة، وعلى جعل النفوذ يبدو أقل خشونة حين يمر عبر الأدب، والذوق، والبروتوكول، واللغة المصقولة.
هنا تظهر المفارقة الكبرى. لا تقوم الدبلوماسية اللغوية على اختيار الكلمات المناسبة، وإنما على إخفاء العنف الذي حمل تلك الكلمات إلى أفواه الناس. حين يقول ملك إن لغة أنقذت أمة من لغة أخرى، فهو لا يتحدث عن اللّسان، وإنما يعيد تجميل تاريخ خشن يريد أن يظهر أقلّ دموية، وأقرب إلى حكاية عائلية لطيفة. كأن الإمبراطوريات كانت مدارس لغات متنقلة، لا آلات ضخمة لإعادة تشكيل العالم وفق مصالحها. ولو أراد التاريخ أن يتكلم بصدق أكبر، لقال شيئًا مختلفًا تمامًا. لولا الصراع، لتكلم الناس لغات أخرى. لولا الجيوش، لاختارت الشعوب إيقاعها الخاص. لولا الأسواق، لما تحولت بعض اللغات إلى تذاكر صعود اجتماعي، ولما تحولت لغات أخرى إلى ديكور ثقافي نستدعيه عند الحاجة ثم نتركه على الرف.
غير أن المسألة لا تقف عند المقارنة بين الإنجليزية والفرنسية. نحن نعيش اليوم داخل سوق لغوي واسع، تتصرف فيه الألسن مثل العملات. ترتفع قيمة لغة حين تربطها القوة بالوظائف، والجامعات، والتأشيرات، والعقود، وصناديق الاستثمار، وتنخفض قيمة لغة أخرى حين يحصرها الناس في الذاكرة، والحنين، والمهرجانات، وخطابات الهوية. في هذا السوق لا يسأل أحد اللغة عما تقوله، وإنما يسألها كم بابًا تفتح، وكم راتبًا ترفع، وكم مقابلة عمل تجعل صاحبها يبدو أكثر قابلية للتوظيف.
لغات القوة وأقنعة الحياد
لا تتقن الدبلوماسية الحديثة الحياد، ولا حتى التظاهر به كما ينبغي. إنها تتقن إدارة الترجمة أكثر مما تتقن إدارة الحقيقة. يكتب المسؤولون البيان الواحد بلغات متعددة، لا كي يفهمه الجميع، وإنما كي يحصل كل طرف على نسخة تناسب حساسيته السياسية. تحمل كل ترجمة انحرافًا صغيرًا، وتضيف كل صياغة مسافة جديدة بين المعنى وصاحبه. هكذا تتحول الحقيقة إلى منتج قابل للتكييف حسب السوق المستهدف، مثل إعلان تجاري يغير ألوانه من بلد إلى آخر.
والأمر الأكثر سخرية أن الشعوب نفسها بدأت تمارس دبلوماسية لغوية داخلية. يتحدث الإنسان بلغة في البيت، وأخرى في العمل، وثالثة في الجامعة، ورابعة في السيرة الذاتية، وربما لغة خامسة في الحلم إن بقي لديه وقت للحُلم. لم يعدْ سؤال الهوية يدور حول من نكون، وإنما حول اللغة التي سنستخدمها اليوم لتبرير أنفسنا أمام الآخرين. صار الفرد يبدل لسانه كما يبدل بطاقة الدخول، ويقيس مكانته أحيانًا بقدرته على الهروب من لغته الأم دون أن يعترف بأنه هرب منها.
لذلك، حين نعود إلى تعليق الملك تشارلز، لا ينبغي أن نقرأه بوصفه طُرفة ملكية خفيفة. إنه يكشف شيئًا أعمق من المزاح. يكشف أن الأمم ما زالت تتعامل مع اللغات كغنائم رمزية، وكأن كل لغة منتصرة تحمل خلفها جيشًا من الأشباح. فالمشكلة ليست في أن الأميركيين يتحدثون الإنجليزية بدل الفرنسية، ولا في أن الفرنسية خسرت جولة من جولات التاريخ. المشكلة أن العالم ما زال يربط قيمة الإنسان باللغة التي يتقنها، ثم يتظاهر بأن ذلك مجرد مهارة شخصية لا علاقة لها بالقوة والطبقة والجغرافيا.
لا تعيش اللغة خارج السياسة، ولا تمشي بريئة في الشارع مثل طفلة تحمل حقيبة مدرسية. تحمل اللغة معها تاريخ من رفعها، ومن قمعها، ومن موّل انتشارها، ومن حوّلها إلى شرط للنجاح. قد نظن أننا نختار كلماتنا بحرية، لكن السوق، والدولة، والمؤسسة، والجامعة، والشركة، كلها تقف خلف أفواهنا وتهمس لنا بما يناسب المقام. ولهذا لا تكمن السخرية في أن العالم يتكلم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما، وإنما في أن الجميع يصف ذلك بالتّواصل، بينما يعرف في قرارة نفسه أنه شكل مهذب من أشكال الخضوع.
من يُحدِّد اللّغة النّافعة؟
لم تعد اللغة اليوم فقط ما نقوله، فقد أضحتْ ما يسمح لنا ميزان القوة أن نقوله، وما نستطيع قوله دون أن نخسر فرصة، أو وظيفة، أو صفقة، أو مكانًا على طاولة لا تتسع إلا لمن يتكلم بلسان المنتصر.
فهل نحتاج فعلًا إلى مترجم كي نفهم العالم، أم إلى مُحاسب يشرح لنا سِعْر كل لغة في بورصة النفوذ؟ ألسنا نضحك كثيرًا حين نسمي ذلك “تعددًا لغويًا”، وكأن الإنسان المعاصر شاعرٌ حرّ يتنقل بين الألسن يبدل لغته حسب المدير والمنصة؟ وهل من قبيل المصادفة أن اللّغات التي تُدعى “نافعة” تملك جيوشًا، وجامعات، وشركات، بينما اللغات التي تُدعى “جميلة” تُترك للقصائد، والجنازات، والمهرجانات؟ وأي عبقرية هذه التي تجعل لغةً ما جسرًا إلى المستقبل، وتجعل لغةً أخرى مجرد حنينٍ مُؤطّر على جِدَار الذّاكرة؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
The post دبلومَاسيةُ اللُّغات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.