دبلوماسية الصّليب.. زلّة بروتوكولية أم جهل بالثوابت؟

يبدو أن “دبلوماسية الهدايا” لدى بعض المسؤولين باتت تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي العقدي والشرعي، وهو ما تجسد بشكل صارخ في الخطوة الأخيرة لكاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لحسن السعدي، خلال زيارته لليونان. إذ أقدم الوزير على إهداء “صليب” فاخر لرجل دين مسيحي مصنوع من خشب العرعار، منحوتا بأيادي صناع مغاربة مسلمين مَهرة، في سقطة تُظهر جفاءً واضحاً مع أبجديات عقيدة التوحيد وسورة الإخلاص التي يحفظها الصغير والكبير، وضارباً بعرض الحائط إجماع المذاهب الفقهية، وعلى رأسها المذهب المالكي المعتمد عند المغاربة، والذي يحرم اقتناء “الصليب” أو صنعه أو بيعه أو شراءه أو إهداءه، أو الترويج له بأي شكل من الأشكال، لكونه يمثل رمزاً وشعاراً دينياً لعقيدة تخالف أصول العقيدة الإسلامية. فالنصارى يعظمون “الصليب”، وهذا مبني على اعتقادهم بصلب المسيح عليه السلام. ونحن نعتقد أن المسيح عليه السلام رفعه الله حياً إلى السماء، ونجاه من أعدائه، قال الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/157 .

الحديث عن هذه الواقعة أثار بالفعل الكثير من الجدل والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والدينية، جعل البعض يتساءل: من أفتى للوزير بهذه المغامرة غير المحسوبة؟، وما دخل وزير في العقائد والأديان؟، وهل صناعة “الصلبان” باتت حرفة جديدة ضمت رسميا لقطاعه الصناعة التقليدية المغربية الأصيلة؟، وكيف لحرفي مغربي مسلم أن يصنع بيمينه “صليبا” ثم ينهض بعد انتهاء عمله ليتوضأ ويصلي وهو يرتل كلام الله عز وجل، ذلك أن إبراز مهارة الصانع التقليدي المغربي في تطويع خشب العرعار شيء ممتاز، لكن “الزيادة” في مجاملة الطرف الآخر بصناعة “صليب”، هي خطوة مبالغاً فيها وتجاوزت حدود اللياقة الدبلوماسية العادية إلى ما وراءها.

في المقابل، يثير هذا النوع من الهدايا حساسية دينية لدى فئات واسعة من المواطنين والمتابعين، حيث يُنظر إليه من منظور عقائدي صرف، يرى في تقديم رمز ديني لجهة أخرى تعارضاً مع ثوابت الهوية الإسلامية العريقة للمملكة المغربية.

التودد الدبلوماسي للمسؤولين الأجانب لا ينبغي أن يصل إلى حد تقديم هدايا ذات دلالات دينية عقائدية لا تمثل هوية الدولة المُهْدية (المغرب)، وكان بالأحرى تقديم رموز حضارية مغربية خالصة دون الدخول في تفاصيل دينية تخص الآخرين. فالإسلام يدعو إلى البر والقسط مع أهل الكتاب والتعايش السلمي، لكن هذا التعايش لا يعني المشاركة الفعلية في تعظيم أو تقديم رموزهم الدينية كأداة للتقارب.

السياق الدبلوماسي والبروتوكولي

في الأعراف الدبلوماسية الدولية، تُعد اللقاءات بين المسؤولين الحكوميين ورؤساء الدول أو القيادات الروحية مناسبات لتبادل الهدايا الرمزية. غالباً ما تعكس هذه الهدايا خصوصية ثقافية، أو رسائل سلام وتعايش، وتخضع لترتيبات بروتوكولية مسبقة بين الدولتين، ولا تُعبر بالضرورة عن المعتقدات الشخصية للمسؤول أو العقيدة الدينية الرسمية للدولة التي يمثلها.

إشكالية “الرمزية” في التواصل السياسي

تكمن الفضيحة أو “السقطة التواصلية” في اختيار الرمز نفسه. فبينما كان بإمكان الوزارة اختيار صناعة تقليدية مغربية أصيلة لا تحمل أبعاداً عقائدية خلافية، فإن اختيار “الصليب” تحديداً يُعد خطأً تواصلياً لأنه يمس منطقة حساسة في الوجدان الشعبي الإسلامي، مما يفتح الباب للتأويلات والاتهامات بالجهل بالثوابت أو ضعف التقدير السياسي.

الحدث يمثل نموذجاً للصدام بين لغة الدبلوماسية الدولية (التي تبحث عن المجاملات والرموز المشتركة)، ولغة الهوية المحلية (التي تحرس العقيدة والثوابت). وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح هذه الهفوات أو الاختيارات البروتوكولية مادة دسمة للنقاش العميق حول حدود الانفتاح وشروط تمثيل الدولة المسلمة في الخارج.

عند تحليل مثل هذه المواقف المثيرة للجدل، ينقسم خبراء التواصل السياسي والمحللون في الإجابة عن هذا السؤال إلى تيارين رئيسيين، حيث يرى كل جانب أصل المشكلة من زاوية مختلفة:

الاتجاه الأول: المشكلة في “البروتوكول والتحضير” (ضعف التسيير الإداري)

المغرب يتمتع بأعرق بروتوكول رسمي في المنطقة (البروتوكول المخزني)، وهو بروتوكول صارم ومحسوب بدقة، وتُقاس فيه الهدايا الرسمية بمعايير دقيقة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الخطأ تقني وتواصلي بالدرجة الأولى، وليس نابعاً من خلفية فكرية أو ايديولوجية للمسؤول. مبررات هذا الاتجاه تشمل:

  • مطبخ الدبلوماسية: الوزراء والمسؤولون لا يختارون الهدايا الرسمية بأنفسهم في الغالب، بل تُشرف على ذلك لجان بروتوكولية وفرق مستشارين في الوزارة، أو بالاشتراك مع السفارة المعنية. مهمة مسؤول حكومي في بلد ذي أغلبية مسلمة هو الترويج لرموز الهوية والثقافة المغربية الأصيلة، وليس صناعة وإهداء رموز دينية لأديان أخرى. يعتقد هؤلاء أن خطوة كهذه فيها “شطط” أو عدم فهم لأولويات الهوية وتراث البلد، وبالتالي يرون في السلوك سوء تدبير لملف الدبلوماسية الثقافية.
  • تجاوز العرف والبروتوكول: إقدام وزير حكومي على تقديم “صليب” لرجل دين مسيحي اعتبره مراقبون بروتوكوليون “اجتهاداً شخصياً غير موفق”، وخروجاً عن الدبلوماسية الرسمية المعتادة. فتقديم الرموز الدينية الحساسة في العرف الدولي غالباً ما يُترك لرجال الدين أنفسهم (مثل مؤسسات الحوار الديني أو المجالس العلمية في سياق خاص جداً)، وليس لوزير قطاع إنتاجي كالصناعة التقليدية.
  • غياب الحس التواصلي: الخطأ هنا يكمن في سوء تقدير الأثر الرجعي لدى الرأي العام المحلي. فالقائمون على البروتوكول ركزوا على إرضاء “الطرف المستقبل” عبر تقديم رمز يخصه، وغفلوا تماماً عن كيف سيتم استقبال هذه الصورة داخل المجتمع المغربي ومراعاة حساسيته الدينية.
  • البدائل المتاحة: التقصير البروتوكولي يظهر في عدم اختيار “منطقة آمنة” ثقافياً، فالمغرب يزخر بصناعة تقليدية عريقة تُبهر العالم دون الحاجة للدخول في رموز عقائدية.

الاتجاه الثاني: المشكلة في “الخلفية الفكرية” (ضعف التكوين السياسي والهوياتي)

على الجانب الآخر، يرى منتقدون أن المسؤول السياسي لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية الفردية، وأن الخطأ يعكس خللاً في “الوعي والهوية السياسيَّين”، وذلك لعدة أسباب:

  • المسؤولية السياسية والأخلاقية: الوزير ليس مجرد منفذ لقرارات مستشاريه، بل هو رأس المؤسسة، ويُفترض فيه أن يمتلك حساً سياسياً وثقافياً يجعله يرفض أو يوجه لتغيير أي هدية قد تضعه وتضع بلده الإسلامي في موقف محرج أو متناقض مع ثوابته.
  • تسطيح مفهوم الانفتاح: يرى هذا التيار أن هناك نوعاً من “الاستلاب الثقافي” أو الفهم السطحي لمفهوم “التسامح وحوار الأديان”، حيث يُظن خطأً أن التسامح يقتضي تبني أو تقديم رموز الآخر الدينية، في حين أن التسامح الحقيقي يقوم على اعتزاز كل طرف بهويته واحترامه للاختلاف.

في واقع الأمر، قد لا يكون العنصران منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة. فالضعف في التكوين الفكري والهوياتي لدى بعض النخب أو المستشارين أو الوزراء ينتج عنه بالضرورة خلل في الأداء البروتوكولي والتواصلي.

وعندما تغيب الرؤية الثقافية والدينية لدى الفريق المشرف على التواصل والبروتوكول، تصبح الهفوات السياسية أمام كاميرات العالم أمراً حتمياً، مما يحول بادرة دبلوماسية إلى أزمة رأي عام محلي.

 كاتب وباحث

اقرأ المقال كاملاً على لكم