دبابات الفجر في بغداد... حملة تقليدية أم انقلاب ناعم؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

مليئة صباحات العراقيين على مر العقود بمشاهد الدبابات التي تعلن حركتها في شوارع العاصمة عن انقلاب عسكري أو حرب عبثية، إلا أن صور الدبابات في فجر 28 حزيران/يونيو 2026، داخل المنطقة الدولية ببغداد، مثلت بارقة أمل للخلاص من كابوس الفساد، الذي سيطر على الدولة ومقدراتها، وانعكس على الحياة العامة؛ لذا، فإن حملة الحكومة العراقية لاعتقال الفاسدين، والتي شملت شخصيات سياسية مسؤولة، ظهرت مختلفة عن كل شعارات مكافحة الفساد التي تبناها رؤساء الوزارات السابقين، والتي انتهت بعقد صفقات تسويات وأدت للتغطية على سرقات مئات المليارات من الدولارات وإفلات من المساءلة، ليصبح  العراق ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم.

 

المتغير؟

 

لم يكن استخدام الدبابات في عملية الاعتقالات المختلف الوحيد في هذه الحملة، فهي ليست استعراضية لكسب رصيد سياسي لرئيس الوزراء الحالي، خصوصاً أنه أعلن عدم رغبته في الترشّح لولاية ثانية، وعدم نيته تأسيس حزب سياسي، ما يمنح الحملة بعداً مختلفاً، لأنه يخفّف من فرضيّة توظيفها في إطار الصراع الانتخابي أو تصفية الخصوم، فضلاً عن ذلك التعاون اللافت بين السلطة القضائية والتنفيذية والأجهزة الرقابية الذي وفر غطاءً مؤسساتياً وقوة أكبر . كذلك، فإن حكومة علي الزيدي تسعى لإثبات مصداقيتها في ملف مكافحة الفساد، ولاستعادة ثقة العراقيين بالحكومة وإثبات اختلاف نهجه في ملف مكافحة الفساد وإثبات تنامي قدرة الدولة على فرض القانون في مواجهة نفوذ الأحزاب السياسية. كما أن دعم التيار الصدري، الضد النوعي للإطار الشيعي، أعطى للزيدي قوة سياسية للمناورة إذا ما حاولت جهات وضع العراقيل أمام الحملة. لكن دعم الرئيس ترامب والمؤسسات الأميركية للزيدي أولاً، ولتجفيف استيلاء إيران وحلفائها على الأموال العراقية من خلال الفساد ثانياً، يشكّل زخماً وطوقاً أميركياً لهذا المسار، الذي طالبت واشنطن بتنفيذه في ما سبق، دون جدوى.

الانقلاب الناعم

لا يمكن النظر إلى "دبابات الفجر" ضمن عملية اعتقال استهدفت شخصيات من رؤساء كتل ونواب في البرلمان، بأنها خطوة تقليدية، فالحملة تمثل "لحظة تحوّل" في مسار مكافحة الفساد، في ضوء وزن المعتقلين وعددهم واحتمال اتساعها لتشمل القيادات السياسية من الصف الأول، من دون الذهاب إلى مبدأ الصفقات؛ وهذا يعدّ "انقلاباً ناعماً" على التوافقات التي حكمت العملية السياسية خلال العقدين الماضيين، وعلى قواعد إدارة الدولة التي استقرّت منذ عام 2003.

 

كذلك، فإن الحملة، إذا انتهت بإدانات قضائية بحق المتهمين، ستؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى السياسية، خصوصاً أن الموقوفين ينتمون إلى كتل سياسية مؤثرة، وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة الناخبين بها ويؤثر في فرصها خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فضلاً عن أنها ستدفع إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة والشروع بإصلاحات اقتصادية حقيقية، مع الأخذ بالاعتبار أن الحملة فجّرت جدلاً قانونياً قد يطيح بالعملية السياسية برمتها وانتخابات 2025، وتدفع نحو انتخابات مبكرة؛ وذلك عقب إعلان قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية أن هناك توظيفاً للمال العام واستغلالاً لموارد الدولة من مسؤولين نافذين في حكومة السوداني لصالح تغيير واقع التمثيل الانتخابي - السياسي، الأمر الذي لا يندرج ضمن ملفات التوظيف المالي فحسب، بل يرتقي إلى مستوى "الجريمة السياسية"، مما يتطلب إصلاحات دستورية وتشريعية وإدارية متزامنة، لا مجرد إجراءات أمنية أو قضائية.

إن نجاح هذا الانقلاب الناعم مرهون باستدامته، لا بحجمه، لأنه إذا توقف سيكون حدثاً استثنائياً، أما إذا استمر، فقد يؤسس لزلزال سياسي؛ فما يجرى لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية معركة، بل بداية مسار جديد قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلطة السياسية بعيداً عن دبابات الفجر.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية