دافن النور
فرانسيسكا موسى
نحن الوقود لرحلة النسيان،
نمشي وخلف خطانا ينهار المدى.
الحرب تجلد بالحديد عظامنا،
وتعيد غزل الأرض من بحر الدما.
والحب خطيئة الطين الطهور، وجرمنا
إنّا جعلنا من سرابٍ معبدا.
والبيت؟ ليس سوى جدارٍ واهنٍ،
نستند عليه إذا الوجود تصدّعا.
أمٌّ تلمّ شتاتنا بصلاتها،
وأبٌ يخبئ في التجاعيد الغدا.
يا ذاكر الإنسان، لست مؤرخاً،
أنت المقابر للذين تفرّقوا.
خُلقنا من ضياءٍ غامضٍ،
وسجنتنا الأرض في قفصٍ من الطين.
نموت لكي تعيش قصيدتنا،
ويظل صوتنا في الرياح مخلّدا.
ونمرّ مثل الضوء بين ظلالنا،
ونظنّ أنّ العمر بابٌ يُرتجى.
لكنّنا أوراق خريفٍ تائهة،
تسقط بصمتٍ كلما اشتدّ الجوى.
كم من حكاياتٍ دفنّاها هنا،
تحت الركام، وما اشتكت أو أفصحا.
وكم من وجهٍ كان شمساً بيننا،
صار الغياب على ملامحه ارتدى.
نحن العابرون على حوافّ الوقت،
لا نملك الأسماء إلا موقتا.
كلّ الذي نبنيه يأكله الأسى،
ويعود للعدم القديم مجدّدا.
لكنّ شيئاً في الخراب يقاوم،
ويشقّ من قلب الظلام تودّدا.
فإذا انطفأت مدائنٌ في ليلها،
أشعلت أرواحُ المحبّين المدى.
لسنا نُهزم حين يسقط حلمنا،
بل حين نرضى أن نموت مقيّدا.
فالروح تعرف، رغم قسوة دربها،
أنّ الفجر يولد من رحم الأسى.