خيمة الناقورة يا فخامة الرئيس!!
د. حسان زين الدين
ماذا ينبغي أن تصطحب، يا فخامة الرئيس، إلى طاولة تفاوضٍ مثقلة بالاختلالات وترزح تحت الهيمنة الأميركية على مفاصل المشرق. مفاوضات تفرض إيقاعها على تكّات ساعة وقف إطلاق النار، في ظل تفوّق إسرائيلي في أدوات القوّة والضغط الذي لا يُنكر؟
لا يعني الإقرار بهذه الحقائق ضرورة التسليم بها، بل يستدعي تحويلها إلى معطياتٍ تُدار، لا قدَرٍ يُستسلم له. فالتفاوض، حين يستند إلى صدقية داخلية وإجماع وطني، تتشكل منه قدرة على تحسين الشروط، ولو ضمن هامشٍ ضيّق، على البدل من مجرد الاستجابةٍ لشروط الآخرين.
تأسيساً عليه، قد يكون من الحكمة لو يصرّ لبنان يا فخامة الرئيس على نقل طاولة التفاوض نفسها إلى الناقورة، وأن تُنصب، عند آخر ذراع من السيادة، خيمةٌ تستعيد رمزية لقاء فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر عام 1959، رغم انعدام أوجه الشبه بين الزعيم العربي والمحاور الإسرائيلي، واختلاف السياق والمنطلق بين ذاك الزمن وهذا. عندها لك أن تقول: من الناقورة نفاوض، وباسم أهلنا وناسنا.
فعل سيادة
بين واشنطن وجنوب لبنان ليست الفكرة في الجغرافيا وحدها، بل في تثبيت معنى أن التفاوض فعلُ سيادة، لا إجراءٌ تقنيّ آني، وفي أن تستند في تفاوضك إلى خيمةٍ وتداها راسخان من الجانب اللبناني:
الأول، في تربة أوسع إجماعٍ وطنيّ ودستوري ممكن حول موقع المفاوض اللبناني وخياراتها؛ فإن من يحبّك لا يريد لك تفاوضاً بلا ظهيرٍ داخلي، كي لا يتحوّل إلى مناورةٍ مكشوفة.
والوتد الثاني هو ثقة الناس؛ وهذه الثقة يعتريها القلق ما لم يتحقّق الانفكاك عن الفساد المستشري في الذهنية اللبنانية، حاكمةً ومحكومة. وهذا ليس شرطاً أخلاقياً فحسب، بل شرطُ صدقيةٍ ينعكس مباشرةً على قوة موقف الشعب اللبناني التفاوضي.
أمّا عمود الوسط، الذي يحفظ الخيمة من اقتلاع الرياح العاتية، فلا بدّ من تدعيمه بموقفٍ عربيّ واضح، يصدر عن مرجعية جامعة - كاجتماع وزراء الخارجية العرب - يساند لبنان في تثبيت حقوقه. ليس ذلك طلباً للاستقواء، بل توسيعٌ لحيّز المشروعية.
صحيحٌ أنّ الاحتلال غاصب، وأن موازين القوى مع إسرائيل ليست في مصلحة لبنان ولا العرب، وأن الهيمنة الأميركية على مفاصل المشرق غير مسبوقة. لكنّ الاستسلام لمنطق الاختلال، أو البقاء رهينة "الغرغرينا" التي تقضم جنوبنا تباعاً، لا يصنع حلولاً. ما يصنعها هو امتلاك عناصر قوةٍ قابلة للتصديق والصرف: إجماع داخلي، ونزاهة مؤسسية، وغطاءٌ عربيّ معقول.
هنا تبرز الأخلاق مادّةَ ارتكازٍ لنا وللتفاوض، في الوقت الذي طال اغترابنا فيه عن نماذج سياسية واقتصادية تُبنى على نزاهةٍ فعلية، تجعل من السيادة نتيجةً طبيعية لا شعاراً. ومن دون هذا الأساس، قد يتحوّل الكلام عن «آخر شبر» و«نفطٍ سيادي» و«غازٍ سيادي» إلى عناوين رنانة. فنظافة الكفّ وفضيلة رجال الدولة الشخصية فقط، لا تصنع الثقة داخلياً وخارجياً.
قد يُقال إن هذه مسائل داخلية لا شأن للخارج بها. غير أنّ التجربة اللبنانية تقول العكس: الداخل المنخور يبدّد أي مكسبٍ خارجي أو مخرج من المأزق الراهن. واللبناني الذي عُرف بقدرته على تحويل الإخفاقات إلى فرص، لن ينجح في استنهاض «فينيقه» بلا نموذجٍ أخلاقيّ جامع ينافس نماذج أخرى في الإقليم. وإلا، فإننا نبدّل أشكال الارتهان لا جوهره.
بين الناقورة وواشنطن، المسافة ليست جغرافية فقط؛ إنها مسافةُ صدقيةٍ وثقة. ومن يعبرها، يعُدْ غانماً، أو على أقل تقدير يضمن عودة سالمة.
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية