خلاف علني بين قيادات تاريخية في البوليساريو يكشف تباينات داخلية بشأن مسار المفاوضات ومستقبل النزاع

في تطور لافت داخل جبهة البوليساريو، خرج إلى العلن خلال الأيام الأخيرة نقاش حاد بين قيادات تاريخية للجبهة حول طبيعة المرحلة السياسية الراهنة وآفاق المسار التفاوضي، وذلك على خلفية الجدل المتصاعد بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي اعتُبر من طرف الرباط دعما لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا وحيدا للتفاوض من أجل تسوية النزاع حول الصحراء.

واندلعت المواجهة الكلامية بعد مقال نشره وزير الخارجية السابق في جبهة البوليساريو محمد سالم ولد السالك، دعا فيه إلى التمسك بخيار “الدولة الصحراوية المستقلة” و”المقاومة والصمود الاستراتيجي”، قبل أن يرد عليه رئيس المجلس الوطني الصحراوي بشير مصطفى السيد، أحد أبرز القيادات التاريخية للجبهة وشقيق مؤسسها الراحل الوالي مصطفى السيد، بانتقادات حادة تناولت خلفيات المقال ومسؤولية أصحابه عن إدارة الملف السياسي والتفاوضي خلال العقود الماضية.

 

وفي مقاله المنشور في الثاني من غشت، أكد ولد السالك أن “الدولة الصحراوية المستقلة هي الحل”، معتبرا أن خيار المقاومة يظل، بحسب رؤيته، الطريق الوحيد لتحقيق هذا الهدف. واستند في موقفه إلى ما وصفها بـ”الثوابت الوطنية” للجبهة، وفي مقدمتها اعتبار الصحراء إقليما غير مستقل يخضع لمسار تصفية الاستعمار، والتشبث بحق تقرير المصير والاستقلال.

كما انتقد ولد السالك مسار المفاوضات الحالية، معتبرا أنه لا توجد، حسب تعبيره، مفاوضات فعلية، وإنما حوار بين أطراف متمسكة بمواقفها، متهما المغرب والوسيط الأمريكي بالسعي إلى تقديم تفسير لقرار مجلس الأمن يخدم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد المطروح.

في المقابل، اعتبر بشير مصطفى السيد أن مقال ولد السالك، رغم تأكيده على التمسك بالمواقف التقليدية للجبهة، يثير أسئلة حول المسؤوليات المرتبطة بالمرحلة السابقة، بالنظر إلى أن صاحبه شغل لسنوات مناصب قيادية، بينها وزارة الخارجية والإشراف على ملفات مرتبطة بالمسار السياسي والمفاوضات.

وقال رئيس المجلس الوطني الصحراوي إن مناقشة مقترحات الحكم الذاتي ضمن العملية التفاوضية لا تعني قبول الشعب الصحراوي بها كحل نهائي، رافضا ما وصفه بمحاولات الخلط بين “بحث الأفكار والمقترحات” داخل المفاوضات وبين “التنازل عن المواقف المبدئية”.

وأضاف أن الفريق المفاوض قد يكون مضطرا إلى مناقشة مختلف الطروحات المطروحة دوليا، لكن ذلك لا يعني، بحسب موقفه، قبول خيار الحكم الذاتي أو التخلي عن مطلب تقرير المصير.

ويكتسي هذا الخلاف أهمية خاصة لكونه يجمع شخصيات تنتمي إلى الصف الأول من تاريخ الجبهة، إذ يعكس، بحسب مراقبين، تباينا في قراءة المرحلة الحالية التي تمر بها القضية، بين تيار يرى ضرورة التشدد في خطاب الاستقلال والمقاومة، وآخر يركز على إدارة المسار السياسي والتفاوضي في ظل التحولات الدولية والإقليمية.

ويأتي بروز هذا النقاش الداخلي في وقت تواجه فيه البوليساريو مرحلة سياسية توصف بالحرجة، مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الأمن المرتقب حول الصحراء نهاية أكتوبر، وفي ظل ضغط أمريكي متزايد باتجاه التوصل إلى حل سياسي “نهائي وواقعي ودائم” للنزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود.

وكان قرار مجلس الأمن 2797 قد أعاد التأكيد على أهمية التوصل إلى حل سياسي عبر المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، في وقت تعتبر فيه الرباط أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها سنة 2007 تشكل الإطار الوحيد القابل للتطبيق، بينما تتمسك البوليساريو بخيار تقرير المصير بما فيه الاستقلال.

ويُعد ظهور هذا الخلاف بين قيادات تاريخية للجبهة إلى العلن من أبرز النقاشات الداخلية التي تشهدها البوليساريو منذ سنوات، في سياق تتزايد فيه الضغوط الدبلوماسية لإيجاد تسوية تنهي نزاعا إقليميا امتد لأكثر من 50 عاما.

اقرأ المقال كاملاً على لكم