خلاصة الرحلة.. من الكونطوار إلى ذاكرة الوطن..

في زحمة المدن وصخب الأسواق، ظلّت هناك لافتة صغيرة معلقة على جدار حانوت منسيّ، تقول: “ممنوع الطلق والرزق على الله”. مرّت عليها الأعين مرور الكرام، حتى جاء من خلف الكونطوار رجلٌ حمل القلم دون أن يفرط في الميزان، فأنزلها من الجدار إلى صفحات الجرائد، ومن هناك إلى ضمير الرأي العام.

إنه “مول الحانوت” الذي لم يكتفِ بتأمين القوت، بل أهدى للوطن قضيةً إنسانية اسمها “كناش الكريدي”. منذ مقالته الأولى “بقال للبيع!” سنة 2000، ثم “ممنوع الطلق والرزق على الله” سنة 2004، وهو يكتب بمداد العرق والمرارة. ففي “شذرات من كناش الكريدي” وصف مهنة البقال بأنها “مهنة الغْدايد”، لا يطيقها بشر لولا أجرٌ محتسب عند الله. وفي “كنّاش الْكْريدِي بين كِفَاحِي وكَلَاخِي” أصّل للكناش بوصفه أعظم كتاب مغربيّ أسس لقيم التضامن.

لم يكن مجرد كاتب، بل كان مؤرخاً للهامش. هو الذي أماط اللثام أولاً عن الكناش، وهو الذي وثّق الشعار، وهو الذي حوله من ممنوعات صورية إلى مرغوبات نضالية حين صرخ ساخراً: “ممنوع الطنز والرزق على الله”.

ثم جاءت سنة 2019، وبلغ القلق مداه. ففي 19 نونبر 2019، نشر مقاله الموجع “هل هي نهاية كارني مول الحانوت؟” يسائل فيه المصير بعد أن تركت الحكومات البقال يواجه لوحده أزمة تجريد هاته المعاملات التجارية من الغطاء الاجتماعي. كان سؤالاً معلقاً في الهواء: هل سيندثر الكناش؟ هل ستنتهي الحكاية؟

لكن النضال لا يكتمل بالحبر وحده. ففي رمضان، مدّ يده إلى يد الفنان رشيد الوالي، فكان ميلاد “تحدي الكارني”: مبادرة تمسح ديون الفقراء من الكناش، وتمسح الدمعة عن وجه مول الحانوت. لتقول للسؤال جواباً عملياً: “لا، ليست النهاية”.

وعلى مهل، وبعد أن قطع صوت الكونطوار مسافة طويلة من الورق إلى الواقع، جاء الاعتراف الرسمي ليتوّج المسار. فقد أقر وزير الصناعة والتجارة بدور هذا الكناش بوصفه تمويلاً اجتماعياً ودعامةً للأسر، فالتقى بذلك صوت الحانوت مع صوت المؤسسة، في شهادةٍ تنصف جهد السنين.

هكذا، من كناش ولافتة وكونطوار، صاغ “مول الحانوت” ملحمة تاجر القرب. ملحمة بدأت بسؤال “بقال للبيع!”، ومرت بخوف “هل هي نهاية الكارني؟”، وانتهت بجواب التاريخ: التاريخ لا تصنعه المعارك الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضاً أصابع مرتجفة تعدّ الديون آخر الليل، وتخطّ بالحبر الأزرق كرامة وطن.

فشكراً لمن جعل من الحانوت منبراً، ومن الكناش وثيقة، ومن اللافتة بياناً. شكرا جزيلا لجميع الصحفيين والصحفيات الذين أذاعوا نداء “مول الحانوت” بين الناس قبل أن يصير المسكين مثل مريض أنهكته الفحوصات والتحاليل المتكررة من أجل تشخيص نفس العلة دون تحديد لموعد إجراء العملية المستعجلة!.

بالنهاية، ونحن على مشارف المناظرة الوطنية للتجارة في أولمبيات 2026 لتحطيم الرقم القياسي في رفع التوصيات الخارقة! نأسف لما يمكن اعتباره اليوم تماطلاً بالأسلوب الأكثر فَتكاً: “كَم حاجةً قضينا عليها بتركها”!!

اقرأ المقال كاملاً على لكم