خسرت واشنطن وإن ربحت... ربحت طهران وإن خسرت!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أما وقد شارفت حرب إيران على نهايتها، وهدأ دويّ الصواريخ وأزيز المسيّرات قليلاً، يمكن الآن النظر ملياً في هذه الحرب غير المتكافئة، لا في الميزان العسكري، ولا الاقتصادي، ولا المنطقي أيضاً. وتحديد المعايير التي يمكن – على أساسها – إعلان المنتصر مسألة بالغة التعقيد. ربما علينا البحث في الأمر انطلاقاً من زوايا غير تقليدية.

 

أولاً: ماذا أرادت واشنطن؟

 

منذ البداية، أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة تثبيت صورة القوة الأميركية، والترويج مجدداً لمبدأ السطوة التي تكتفي بالعقوبات، وهذا مهم بالنسبة إليه داخلياً وانتخابياً. لكن الرياح عاندته: ففي استطلاع أخير لـ "رويترز – إبسوس"، تبين أن 35% فقط من الأميركيين راضون عن أدائه اليوم، انخفاضاً من 47% حين بدأ ولايته. وإن استمر التقهقر، فسيصل ترامب إلى الانتخابات النصفية مرهقاً، خصوصاً إذا استمر ارتفاع كلفة الوقود على الأميركيين. ووفق ما يقول آريل زيلبر في "نيويورك بوست" (22 أيار/مايو 2026)، فإن الناخب الأميركي لن يحاسب رئيسه على قوة الردع التي يملكها، بل على سعر البنزين والتضخم والنقل والغذاء. هذه أول خسائر ترامب... لكنها تحتمل تأويلات سنأتي على ذكرها.

 

 

سفينة عالقة في الخليج بسبب إقفال إيران مضيق هرمز. (أ ف ب)

 

 

1- العرب يبتعدون قليلاً

لا مفرّ من الاعتراف بأن ترامب خسر أصدقاءه العرب. دانيا عريسي وفيصل عيتاني محقان في مقالتهما "هل خسر ترامب العالم العربي؟" في "ذا ناشيونال إنترست"، حين قالا إن واشنطن لم تعد تُرى في العالم العربي "قوةً تضبط الإقليم وفق قواعد ثابتة، بل طرفاً يطبّق القانون الدولي انتقائياً: يريده في أوكرانيا، ويتجاهله في غزة... ثم يطلب من العرب الاصطفاف خلفه ضد إيران". هذه الفجوة المتسعة بين الخطاب والسلوك أضعفت موقع ترامب خليجياً، حتى لو بقيت العلاقات الأمنية - النفطية قائمة.

الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران وضعت دول الخليج أمام معادلة محرجة: لا تريد انتصاراً إيرانياً يوسّع نفوذ طهران، ولا تريد استمرار حرب أميركية مفتوحة حولت منشآتها النفطية وموانئها واستثماراتها ومدنها أهدافاً لصواريخ طهران ومسيراتها. لذلك، بدا ترامب كمن يطلب من الخليج تحمّل كلفة حرب لا يملك قرارها. وخسر ترامب أيضاً "الشريك الخليجي الضامن": بنت دول الخليج أمنها عقوداً طويلة على المظلة الأميركية، ورأت أن ذلك لم يكن مفيداً. وهذا يفتح الباب أمام توازنات خليجية أوسع مع الصين وروسيا، لا حباً بهما، بل رغبة في تنويع الخيارات، وهز العصا لترامب الذي جال في الخليج فجمع تريليونات الدولارات. 

 

2- الصين وروسيا

في ضوء زيارتَي ترامب وبوتين المتتاليتين إلى بكين، تبدو العلاقة بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى، وكأنها انتقلت من "مواجهة بين كتل دولية" إلى "مساومة داخل نظام متعدد الأقطاب". ترامب أراد من شي جينبينغ ضغطاً على إيران لفتح مضيق هرمز، أو على الأقل حياداً صينياً لا يمنح طهران غطاءً اقتصادياً وعسكرياً، وقال إن شي وافق على أن تعيد إيران فتح المضيق، لكن بكين لم تقدّم التزاماً علنياً واضحاً بالتدخل، ما جعل الزيارة تنتهي "من دون اختراقات كبرى". وهذه خسارة ثالثة لترامب، رغم أنه انتزع - أو قال إنه انتزع – من شي تقاطعاً "لفظياً" حول نقطتين: لا إيران نووية ولا إغلاق دائماً لهرمز. هذا مفيد دعائياً له في الداخل الأميركي المهتز، وتفاوضياً لأنه يضع الصين في موقع المشارك في منع انفجار أسعار النفط. لقد فقد ترامب ورقة الهيبة! فحاجته إلى الصين ظهرت علناً، كما لم يخرج بضمانة صينية معلنة، ولا بتنازل تجاري كبير، ولا بتفويض دولي واسع لحربه. 

وفي العلاقة مع روسيا، لم يحقق ترامب عزلاً كاملاً لإيران. فموسكو استفادت من انشغال واشنطن ومن ارتفاع أسعار الطاقة، إذ حصلت على إذن أميركي ببيع ما تحمله ناقلاتها من نفط في البحر، ما درّ عليها أكثر من 150 مليار دولار، كما استفادت من حاجة إيران إلى سند سياسي وعسكري غير غربي. ترامب لم يهزم محور موسكو–طهران، لكنه كشف حدوده: روسيا تدعم وتستفيد، لكنها غير مستعدة لدفع كلفة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

 

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (يسار) ورئيس الصين شي جينبينغ عند وصولهما إلى قاعدة جيمهاي الجوية، بجوار مطار جيمهاي الدولي في بوسان، كوريا الجنوبية، 30 أكتوبر 2025. (أ ف ب)

 

 

ثانياً: ماذا فعلت طهران؟

 

يجزم روبرت كاغان، في مقالته "كش ملك في إيران" المنشورة في "ذا أتلانتيك"، بأن هزيمة أميركا في هذه الحرب "ليست عابرة"، وأن هزائم فيتنام وأفغانستان والعراق المؤلمة لم تُسقط موقع أميركا العالمي، "أما الهزيمة أمام إيران فربما تكون ضربة استراتيجية لا يمكن ترميمها بسهولة".

أياً كانت المزاعم، فالمعيار المركزي اليوم للانتصار هو مضيق هرمز، وإن بقيت إيران قادرة على التحكم به فتحاً وتعطيلاً، فهذا يعني أنها لم تخسر الحرب ولن تخسرها، حتى لو تلقت آلاف الضربات. وهذا يعني أن أميركا فقدت القدرة على فرض النظام القديم في الخليج.

ولو سلّمنا جدلاً بنظرية الانتصار المعنوي لإيران المهزومة عسكرياً، فأخطر ما في ذلك هو الأمثولة: إن بدت أميركا عاجزة أمام إيران، فستظن الصين أنها عاجزة في ملف تايوان، وستظن روسيا أنها عاجزة في أوروبا، وسيقول الحلفاء الخليجيون إن ضمانات الأمن الأميركية فقدت صلاحيتها.

 

1- حسابات طهران

لا شك في أن إيران أثبتت قدرتها على "ردع فعلي ولو غير متكافئ". فهي لم تحتج إلى هزيمة الجيش الأميركي كي تؤلم واشنطن، بل أقفلت مضيق هرمز. وهنا تكمن قوة إيران: قدرتها على تثبيت هرمز ورقةً تفاوضية كبرى في المفاوضات. ففي إسلام آباد، لم يعد الحديث عن النووي والعقوبات وحدهما، بل عن سيادة طهران على المضيق، والضمانات الأمنية، والتعويضات، أي وسّعت طهران مروحة التفاوض من "برنامج نووي" إلى "ترتيب إقليمي جديد". ترفض واشنطن تلبية هذه المطالب، لكن وجودها بنوداً في أوراق متبادلة يعني أن إيران "نجحت" في رفع ثمن أيّ تسوية ممكنة.

الحجر الأساس في سياسة الإحراج التي انتهجتها إيران بوجه أميركا هي الاعتداء السافر على دول الخليج: فهذه لا تريد إيران منتصرة، ولا تريد حرباً أميركية طويلة على حدودها. وعواصم الخليج تدرك تماماً، منذ اليوم الأول، أن أيّ حرب مع إيران لن تبقى في إيران، لذا رفضت منذ البداية استخدام أراضيها وأجواءها في الحرب. رغم ذلك، لم تحترم إيران سيادة الدول الخليجية ولا أمنها، إنما تمادت في استراتيجية الابتزاز: "إن ضُربنا، فلن تكونوا آمنين"، فخسرت أي أمل في ترسيخ سلام خليجي معها قائم على الثقة... فلا ثقة يمكن أن تبنى مع نظام الملالي في طهران.

في كل الأحوال، خسائر إيران أعمق من مكاسبها، وفي مقدّمها الضرر الداخلي والقيادي. فالحرب ضربت بنية القرار الإيراني بقتل علي خامنئي وشريحة واسعة من القادة السياسيين والعسكريين. لكن هذا أتاح صعود قيادة أكثر تشدّداً، خصوصاً محمد باقر قاليباف، الذي يمسك بخيوط المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو المعروف عنه أنه لا يفاوض، إنما يفرض ما يريد. وهذا ظهر جلياً في إسلام أباد. 

فقدت جزءاً من استقرار "المركز" الذي كان يضبط التوازن بين الحرس الثوري والرئاسة والمؤسسة الدينية. لكن، حتى لو تماسك النظام، فقد خرج أكثر عسكرة وأقلّ مرونة، وهذا يهدّد دائماً بعودة الحرب.

 

 

إيرانية تمر بنماذج صواريخ إيرانية معروضة في ساحة ولي العصر بطهران، 6 أبريل 2026. (أ ف ب)

 

 

2- تخسر فتربح!

اقتصادياً، التقدير الأقرب إلى التداول حالياً هو أن إيران خسرت بين 3.5 و4 مليارات دولار يومياً في ذروة الحرب، لكن يصعب تأكيد الرقم الحقيقي بسبب غياب بيانات رسمية، واعتماد معظم التقديرات على تحليلات استخباراتية وإعلامية متباينة. أما تقدير خسائر إيران الناتجة عن الحصار الأميركي لموانئها وممراتها البحرية فيختلف بحسب الجهة التي تحسب الكلفة، إلا أن معظم التقديرات تركز على خسائر النفط والتجارة والطاقة.

بحسب تقدير نشرته صحيفة Seoul Economic Daily الكورية الجنوبية، تخسر إيران نحو 435 مليون دولار يومياً بسبب حصار هرمز. ويشمل ذلك نحو 276 مليون دولار يومياً من خسائر صادرات النفط والبتروكيماويات، وخسائر إضافية مرتبطة بتعطل التجارة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. أما مؤسسة Foundation for Defense of Democracies فقدّرت إجمالي الأضرار الاقتصادية على إيران بما بين 50 و300 مليار دولار منذ بداية الحرب، مع ترجيح رقم قريب من 144 مليار دولار كأكثر السيناريوات واقعية. 

لكن، إن نجحت إيران في فرض رسوم على عبور السفن وناقلات النفط في مضيق هرمز، فقد يصل مدخولها من ذلك إلى 100 مليار دولار سنوياً، فتخرج من الحرب الأكثر ربحاً. وهذه المداخيل تزيد، إن تمكنت أيضاً من فرض رسوم على مرور كابلات الإنترنت البحرية في قعر المضيق. والأهم من الأموال والرسوم هو الآتي، وفق ما يقول كاغان: "كش ملك استراتيجي، ليس لأن إيران صارت أقوى عسكرياً من أميركا، بل لأن واشنطن دخلت حرباً لا تستطيع التحكم بعواقبها، ووجدت نفسها أمام خصم حوّل نقطة جغرافية واحدة، مضيق هرمز، إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ العالمي".

 

3- إيران والصين

برهنت الحرب أن ديبلوماسية البوارج الأميركية لإخضاع إيران لم تكن فعّالة كثيراً. إيران لم تخسر شيئاً خصوصاً بعدما فعّلت مع الصين ممراً برياً ضخماً للسكك الحديدية عبر آسيا الوسطى، متجاوزاً الممرات البحرية الخاضعة للمراقبة الأميركية. وهذا خط يمتد أكثر من 10 آلاف كيلومتر، وينطلق من مراكز صينية مثل شيآن وييوو وأورومتشي، مروراً بكازاخستان وتركمانستان، وصولاً إلى طهران، حيث تستغرق الرحلة ما بين 12 و15 يوماً فقط. وبحسب تقارير تعمّدت الصين بثها قبيل زيارة ترامب الأخيرة، ارتفعت وتيرة قطارات الشحن منذ تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية في نيسان/أبريل المنصرم من قطار واحد أسبوعياً إلى قطار كلّ 3 أو 4 أيام، فيما تمّ حجز كامل جدول أيار/مايو وحزيران/يونيو مسبقاً. وارتفعت كلفة نقل الحاوية الواحدة إلى نحو 7000 دولار، أي بزيادة 40% عن معدلات ما قبل الأزمة.

هذا التعاون ليس جديداً، وهو يستند إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها الصين وإيران في 2021، وتتضمن استثمارات صينية بنحو 400 مليار دولار خلال 25 عاماً في قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والبنوك.

وهكذا، ظهرت إيران متقدّمة خطوة على أميركا، فيما ضمنت الصين إمدادات نفط إيرانية طويلة الأجل بأسعار بين 8 و10 دولارات للبرميل أقلّ من خام برنت. وهي التي كانت تشتري قبل الحرب بين 80 و90% من صادرات النفط الإيرانية، بمتوسط 1,4 مليون برميل يومياً. وهذه التجارة مستمرة باليوان الصيني بعيداً عن الدولار ونظام "سويفت" المالي الأميركي.

 

 

سفينة حربية أميركية في الخليج العربي. (أ ف ب)

 

 

ثالثاً: رابحٌ ولو خسر؟

 

يحصل عالمنا اليوم على 20% من نفطه من الشرق الأوسط. اليابان وحدها تستورد 75% من نفطها من الشرق الأوسط، والهند نحو 60%... والصين نحو 50%، وكذلك الحال في أوروبا. وهنا بيت القصيد: الشرق الأوسط ليس الوكيل الوحيد للنفط في العالم. ففي فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم، وفي الولايات المتحدة وكندا احتياطيات هائلة. فهل يتضح الآن في أي اتجاه تسير الأمور؟ 

توقّف تدفق نفط الشرق الأوسط يعني اتجاه العالم إلى مصادر أخرى: أميركا الشمالية. فجأة، ستحتاج أوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول كثيرة غيرها إلى نفط أميركا... وفجأة سيكتشف العالم أن الأمر لا يتعلق بالنفط وحده، بل بالأسمدة والغاز والمواد الخام وسلاسل التصنيع أيضاً، وستشتد حاجة الدول الصناعية الكبرى إلى موارد أساسية تسيطر عليها أميركا الشمالية وروسيا... فتكون واشنطن أقرب إلى الجميع من موسكو، إلا الصين. 

هكذا، بدلاً من حماية نظام عالمي متهافت، ربما الأفضل إعادة تشكيله بالكامل، ببناء كتلة أميركية شمالية مكتفية ذاتياً، وقادرة على فرض شروطها على باقي دول العالم. ألم ينل ترامب مراده، ولو مضحياً باقتصاد العالم؟

ثمة أمر آخر لا يقلّ أهمية: اليابان والصين وتايوان وكوريا الجنوبية وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وغيرها دولٌ تموّل 39 تريليون دولار من الدين الأميركي. في نهاية 2025، سرت مخاوف من احتمال تراجع هذه الدول عن تمويل هذا الدين. فإن كانت هذه الدول بحاجة ماسّة إلى طاقة أميركا، فهل تستطيع التراجع عن تمويل دينها؟ وهكذا، يتحول الدين الأميركي من نقطة ضعف إلى أداة نفوذ استراتيجي، ولا يكون ترامب متهوراً أبداً!

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية