خسارات لا تذكرها نشرات الأخبار…

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ناريمان الناشف


 

كان في مشية جدتي شيء من ثبات شجر الزيتون في مرجعيون، كأن جذورها تضرب عميقاً تحت الأرض الباردة في شقق المنفى البعيدة.
الرجل الذي كان جدي، ذاك الذي شهد اجتياحات متتالية، وخسر أصابعه الثلاثة وهو يحاول إنقاذ مواسم التوت من الحريق، كان رغم قسوته يتحول إلى طفلٍ يترقب الرضا في عينيها.
كان يقول إن في عينيها حزناً قديماً، حزناً لم يصنعه اللجوء وحده، بل ورثته عن أمهاتٍ وقفن يوماً على تلال الجنوب يلوحن للريح.
كان يعشق تفاصيلها بأسلوبٍ لا يثير الانتباه
لكن بمكان تصبح فيه المرأة جزءاً من الطريقة التي يتنفس بها الرجل.
قال لي مرة وهو يراقب الغروب من نافذة غربته:
"يا بني، الجنوبيات لا يكبرن بالسن، بل يكبرن بالانتظار. تضيق البلاد في عيونهن، فتتسع الذكريات".
ثم جاءت تلك الليلة من نيسان.
الليلة التي انقسم فيها الزمن إلى نصفين: نصفٌ عشناه هناك تحت الضوء الفضي للضيعة، ونصفٌ نعيشه هنا، كأشباح تحاول التشبث بظل وطن. قال إن الطائرات لم تحرق الشجر والنبع فحسب، بل أحرقت خطوط التناسل في العائلات، فصار كل مولود جديد يولد غريباً عن أرضه.
لم تبكِ جدتي يومها.
أحب جدي صمتها ذاك، الصمت الشامخ كالقلعة وهي تواجه العواصف. ذلك العناد الجنوبي الذي يرفض أن يمنح الغزاة لذة رؤية الدموع. حزمت ما خفّ وزنه وغلا ثمنه: حفنة من تراب الحديقة، ومفتاح الدار العتيق، وثوباً مطرزاً برائحة طين الجنوب، وما أصعب أن تحزم حياتك في حقيبة،
أن تحمل سنينك وذكرياتك وأحلامك المشوهة في رزمة وتنسى روحك هناك.
ثم تشتتنا.
والجنوبيون إذا تشتتوا، لا يتركون خلفهم فراغاً، بل يتركون في كل أرض يطأونها وجعاً يشبه وجع الأطراف المبتورة.
قطعة منا تائهة في ضواحي البلاد تبحث عن أمانٍ مفقود.
قطعة استقرت في قسوة الغربة تحت شمس لا ترحم.
قطعة تجمدت أطرافها خلف المحيطات البعيدة.
وقطعة، وهي الأجمل، بقيت مدفونة هناك تحت ركام البيوت، ترفض أن تغادر.
مرت العقود، وتوالت الولادات في بلاد الصقيع.
أنجبت العائلة فتاة، وتلك الفتاة كبرت لتنجب إبنة ولدت وفي عينيها ذات السواد العميق، وذات الصمت الذي حملته جدتي يوم غادرت الجنوب. تلك الفتاة هي من أتقاسم معها غصّات الغربة الآن.
حين تجلس معي في المقاهي الباردة، وتنظر إلى المطر وهو يضرب الزجاج، أرى في عينيها انعكاس أرضي البعيدة. أشعر أنني لا أحب امرأة، بل أحب تاريخاً كاملاً من الألم، وسلالة من النساء اللواتي فتنّ الموت ولم ينكسرن.
وحين تبتسم في وجهي، أشعر فجأةً بدفءٍ غريب، كأن شمس ضيعتنا، قطعت كل تلك المسافات والبحور، لتدفئ قلبي من خلال ضحكتها.
لكنني سأعترف بشيء الآن.
شيء قد يفسد هذه الحكاية كلّها.
إنّ المنافي لا تسرق البيوت وحدها، بل تسرق القصص أيضاً.
فحين ماتت جدتي لم أشفق على جدي
بل خفت منه...
خفتُ من رجلٍ استيقظ ذات صباح ليكتشف أنّ نصف قرنٍ كامل صار يعيش في رأسه وحده.
إنّ الرجل الذي يحب امرأةً خمسين عاماً لا يموت حين يُدفن.
يموت حين لا يبقى أحد يتذكّر كيف كان ينظر إليها؟
ولهذا أكتب.
لم يكن أكثر ما يؤلمني في حكاية جدّي أنّه خسر أرضه.
بل أنّه قضى ما تبقّى من عمره يعرف أنّ المرأة الوحيدة التي شهدت حياته كلّها، قد غادرت يوماً قبله.
كان كلما خذله العالم وضاقت به المنافي يعود اليها
كما يعود الناس الى ديارهم…
فجدّي لم يُهجَّر من الجنوب يوم غادره...
بل يوم ماتت جدّتي.
لانه لم يبقَ من الجنوب بيتٌ لجدّي يعود إليه...
ولا امرأة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية