خريف الأذرع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمود الخراط

 

 

شهدت منطقة الشرق الأوسط في منتصف عام 2026 تحولات جيوسياسية متسارعة أدت إلى إعادة رسم موازين القوى الدولية والإقليمية. لسنوات طوال، شكلت العواصم العربية، وبخاصة بغداد وبيروت، ركائز أساسية في الاستراتيجية الخارجية لطهران، ومثلت أوراق ضغط نوعية في مواجهاتها الديبلوماسية والعسكرية مع الولايات المتحدة وحلفائها. ومع ذلك، جاءت التطورات الأخيرة في العراق ولبنان لتشكل ضربة مزدوجة، قيدت طموحات إيران الإقليمية وجردتها من أثمن أدوات المناورة لديها، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات التقنية الحاسمة في الدوحة.
بدأ المشهد العراقي يتغير جذرياً مع إطلاق الحكومة الحالية بقيادة رئيس الوزراء علي الزيدي حملة قضائية وأمنية غير مسبوقة ضد الفساد تحت اسم "صولة الفجر". وعلى عكس القراءات الأولية التي رأت فيها محاولة لتغيير نظام الحكم، تبين أن العملية تجري بالكامل تحت مظلة الدستور ومؤسسات الدولة الرسمية كالقضاء وجهاز مكافحة الإرهاب، وهدفها إحداث تغيير داخل التوازنات السياسية وتفكيك شبكات الفساد المالي عبر محاربة النفوذ المالي غير المشروع.
طاولت الاعتقالات المدعومة بتنسيق معلوماتي مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي عشرات المسؤولين والسياسيين ورجال الأعمال البارزين، وصودرت عشرات ملايين الدولارات نقداً. هذه الحملة ضربت في عمقها المصالح الاقتصادية لإيران؛ إذ أثبتت التحقيقات تورط شبكات الفساد الملاحقة في عمليات تهريب النفط العراقي لتمويل أنشطة الفصائل المسلحة الموالية لطهران ومساعدتها على التهرب من العقوبات الدولية.
تزامن هذا التجفيف المالي مع حسمٍ سياسي وأمني أعلنه رئيس الوزراء علي الزيدي بوضوح لصحيفة "الشرق الأوسط"، مؤكداً أن لا مبرر لبقاء ما تسمى "المقاومة" في العراق بعد أيلول\سبتمبر المقبل، وهو الموعد المحدد لإنهاء مهمة التحالف الدولي. ترافق ذلك مع مهلة زمنية حاسمة للفصائل المسلحة لتسليم سلاحها الى الدولة، وهو ما بدأت تستجيب له معظم الفصائل لتفادي الصدام، مفرغاً شعار "وحدة الساحات" من محتواه في الساحة العراقية.
إذا كان العراق قد مثل "الرئة الاقتصادية" لنفوذ طهران، فإن لبنان شكل خط الدفاع العسكري الأول والأهم لها في شرق المتوسط عبر "حزب الله". وجاء الاتفاق الإطاري الجديد في لبنان ليمثل الصفعة الجيوسياسية الأقسى للمشروع الإيراني، بحيث تجاوز كونه مجرد اتفاق لوقف النار، إلى صيغة قانونية تقضي بتفكيك الأجنحة العسكرية لـ"حزب الله" وحركة "أمل" بالكامل.
يقضي الاتفاق بنزع السلاح الثقيل والمتوسط، بما في ذلك ترسانة الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة، وتسليمها إلى الجيش اللبناني كقوة مسلحة وحيدة شرعية مسيطرة على البلاد بكاملها. فرض الاتفاق تحول "حزب الله" إلى حزبٍ سياسي مدني خاضع للقوانين المحلية، توازياً مع إغلاق الحدود السورية-اللبنانية وتشديد الرقابة الدولية على المرافق الحيوية، مما قطع شريان الإمداد اللوجستي الإيراني تماماً، وأنهى معادلة الردع التي وظفتها إيران لتهديد إسرائيل والمصالح الغربية لعقود.
لم تؤدِّ هذه الخسائر المتتالية الى تهديم مسار التقارب الأميركي-الإيراني المستند إلى "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، بل غيرت شروطه بشكل جذري لمصلحة واشنطن. تجد إيران نفسها اليوم في مفاوضات الدوحة التقنية الجارية، ممثلة بنائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، أمام خياراتٍ ضيقة للتنازل بعد أن فقدت أوراق الابتزاز الإقليمي.
دخلت الإدارة الأميركية المفاوضات، بوفد يضم المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في موقف قوي يرتكز على فرض شروط الاستقرار المستدام وإنهاء السلاح المتفلت وتأمين الممرات المائية. وفي المقابل، أصبحت إيران في موقف اقتصادي أضعف وأكثر حاجة لتأمين حوافز الاتفاق، وعلى رأسها خطة إعادة الإعمار البالغة 300 مليار دولار ورفع العقوبات المفروضة عليها، بعد أن تيقنت أن أدواتها العسكرية الخارجية قد أُخرجت من المعادلة بصفقات وإجراءات رسمية.
إن ما يحدث في المنطقة اليوم يعكس انكساراً واضحاً للمشروع الإقليمي الإيراني. من خلال ملاحقة شبكات الفساد والتمويل في العراق وإجبار الفصائل على تسليم سلاحها، وصولاً إلى نزع السلاح الهيكلي من "حزب الله" في لبنان، يمر النفوذ الإيراني بمرحلة انحسار غير مسبوقة. لم تعد هذه الدول ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات أو أوراقاً للمناورة السياسية، بل باتت تتحرك نحو استعادة سيادتها الوطنية، مما يجبر طهران على الانكفاء نحو الداخل والقبول بقواعد لعبة دولية جديدة تُصاغ بشروط واشنطن وحلفائها.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية