خبراء يوضحون أسباب العقم وخيارات العلاج الحديثة المتاحة في المغرب
يعدّ العقم من القضايا الصحية التي تثير اهتماما متزايدا، نظرا لانعكاساته الطبية والنفسية والاجتماعية على الأزواج. وتصنّف منظمة الصحة العالمية هذه الحالة كمرض قائم بذاته ضمن مفهوم الصحة الإنجابية، الذي يكرّس حق الأفراد في الإنجاب.
في هذا السياق، أوضح الدكتور إلياس البزيوي، اختصاصي أمراض النساء والتوليد والمساعدة على الإنجاب، أن العقم يُعرَّف بأنه عدم تحقق حمل سريري عقب سنة من الجماع المنتظم دون موانع، أو نتيجة عجز أحد الشريكين عن الإنجاب، مشيرا إلى أن تقييم الخصوبة يعتمد على ثلاثة مؤشرات أساسية: مدة حدوث الحمل، واحتمال وقوعه خلال فترة محددة، ثم الخصوبة الشهرية، التي تُعد الأكثر دقة لاعتمادها على نماذج رياضية.
وأضاف الطبيب الحاصل على دبلوم في علاج عقم الزوجين وتقنيات المساعدة على الإنجاب من جامعة باريس، في تصريح لهسبريس، أن العقم يسجل بنسب متقاربة بين الرجال والنساء، مع أسباب مشتركة في حوالي 40 في المائة من الحالات، وأخرى غير مفسَّرة في حدود 10 في المائة.
وذكر الطبيب المستقر بعروس الشمال طنجة أن اضطرابات الإباضة تتصدر العوامل المؤدية إلى العقم لدى النساء، تليها مشاكل قناتي فالوب، إضافة إلى أمراض مثل بطانة الرحم المهاجرة والأورام الليفية. أما لدى الرجال، فيظل ضعف جودة الحيوانات المنوية السبب الأكثر شيوعا، في حين تبقى حالات انعدامها أقل نسبة.
ويرتبط تراجع الخصوبة، حسب الاختصاصي المغربي، بعوامل عدة، أبرزها التقدم في السن والتدخين وبعض الأمراض، ناصحا الأزواج باستشارة مختص بعد سنة من المحاولات دون حمل، أو بعد ستة أشهر إذا تجاوز عمر الزوجة 35 سنة.
وشدد الدكتور البزيوي على أن التشخيص يقوم على فحص سريري دقيق مدعوم بفحوصات تكميلية، تشمل التحاليل الهرمونية والتصوير الطبي لدى النساء، وتحليل السائل المنوي لدى الرجال، مما يسمح بتحديد السبب ووضع خطة علاجية ملائمة لكل حالة.
الخيارات العلاجية
قال الدكتور إلياس البزيوي إن الخيارات العلاجية تختلف حسب السبب الكامن وراء العقم. ففي حالات اضطرابات الإباضة عند المرأة، يمكن اللجوء إلى تحفيز الإباضة باستخدام أدوية مثل كلوميفين أو ليتروزول، مع تنظيم الهرمونات وإنقاص الوزن عند الحاجة. أما في حالات انسداد قناتي فالوب، فيمكن اللجوء إلى العلاج الجراحي أو التوجه نحو تقنيات الإخصاب المساعد مثل أطفال الأنابيب (FIV). وفيما يتعلق ببطانة الرحم المهاجرة أو أمراض الرحم كالألياف والتشوهات، فالعلاج يحدد بين الدوائي أو الجراحي حسب الحالة، مع إمكانية اللجوء إلى تقنيات الإخصاب المساعد.
أما العقم الذكوري، فشرح الطبيب المختص أن تدبيره يعتمد على تحسين نمط الحياة، والعلاج الدوائي أو الجراحي (مثل علاج دوالي الخصية)، إضافة إلى تقنيات مثل التلقيح داخل الرحم (IUI) أو الحقن المجهري (ICSI). كما يمكن اقتراح التلقيح داخل الرحم أو أطفال الأنابيب في حالات العقم غير المفسر، خاصة إذا استمرت صعوبة الحمل. وتبقى العوامل العامة مثل التقدم في العمر والتدخين مؤثرة بشكل كبير، مما يستدعي تعديل نمط الحياة والتوجه المبكر نحو الحلول الطبية عند الضرورة.
علم النفس والعقم
يرى الدكتور كمال الزمراوي، أستاذ بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن العقم لا يُختزل في كونه اضطرابا فسيولوجيا أو حالة طبية فحسب، بل هو تجربة نفسية-اجتماعية معقّدة تترك آثارا عميقة في نفسية الأزواج. وأضاف أنه عندما يتأخر حدوث الحمل، تتولد لدى الزوجين مشاعر متداخلة من القلق والخوف والإحباط، يصاحبها تراجع في الإحساس بالاستقرار النفسي. وفي سياقات ثقافية تمنح للإنجاب مكانة محورية في بناء الأسرة والهوية، يتحول العقم إلى مصدر ضغط اجتماعي واضح، ينعكس على صورة الفرد أمام ذاته وأمام الآخرين.
وأضاف: “من منظور علم النفس الاجتماعي، يُفهم العقم ضمن شبكة من التوقعات الاجتماعية والأدوار الجندرية الراسخة؛ فالمرأة غالبا ما تواجه نظرة مجتمعية تربط بين خصوبتها ودورها الأسري، بينما يتعرض الرجل بدوره لضغط مرتبط بمفهوم ‘القدرة’ ومفهوم ‘الرجولة'”.
وأكد أن هذا المعطى يجعل التجربة محمّلة بدلالات رمزية تتجاوز البعد الجسدي، لتؤثر بشكل مباشر على جودة العلاقة الزوجية، وقد تحدّ من فعالية التواصل بين الطرفين، الأمر الذي يستدعي تدخلا نفسيا-اجتماعيا منظّما.
واستحضر الزمراوي دراسات حديثة تفيد بأن العقم يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، إلى جانب الشعور بالوصم الاجتماعي وتراجع جودة الحياة. كما تُبرز الأبحاث أن التدخلات النفسية، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي وبرامج تدبير الضغط، تؤدي دورا مهما في التخفيف من المعاناة وتعزيز قدرة الأزواج على التكيّف.
واختتم أستاذ علم النفس الاجتماعي إفادته بالتأكيد على ضرورة التعامل مع العقم بمقاربة تكاملية تجمع بين الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي، مما يضمن مرافقة الأزواج خلال هذه التجربة الحساسة، ويساهم في التخفيف من آثارها على توازنهم النفسي واستقرارهم الأسري.
The post خبراء يوضحون أسباب العقم وخيارات العلاج الحديثة المتاحة في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.