خبراء يرصدون المكاسب البيئية وتحديات المرحلة المقبلة في المغرب
يشكل اليوم العالمي للبيئة، الذي يُحتفى به في 5 يونيو من كل سنة، فرصة لتسليط الضوء على التحديات البيئية التي تواجه مختلف دول العالم، وفي مقدمتها آثار التغيرات المناخية وندرة الموارد الطبيعية.
وفي المغرب يؤكد خبراء أن الاحتفاء يكتسي أهمية بالغة في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بالجفاف وتراجع الموارد المائية، ما يفرض تعزيز الجهود الرامية إلى حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
وبخصوص رمزية المناسبة بالنسبة للمملكة قال مصطفى العيسات، خبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، إن “المغرب لا يحتفي بهذا الموعد كحدث تقويمي فحسب، بل كفرصة سنوية لتقييم مكاسبه البيئية ومواجهة تحديات وجودية تتصدرها ندرة المياه وتداعيات التغير المناخي”.
وأوضح العيسات، في تصريح لهسبريس، أن “الشح المائي يعد التحدي البيئي الأكبر الذي يواجه المملكة اليوم”، مضيفا أنه “بعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع حقينة السدود إلى مستويات حرجة في بعض الأحواض المائية أدرك المغرب أن المقاربة التقليدية لم تعد كافية”.
وأشار المتحدث ذاته إلى “تسارع وتيرة تنفيذ ‘البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027’، الذي يراهن على حلول هيكلية، كبناء محطات تحلية مياه البحر (كما هو الحال في مشروع الدار البيضاء الكبرى واشتوكة أيت باها)، وتعميم استخدام المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء والملاعب الرياضية، فضلاً عن سياسات ترشيد الاستهلاك في القطاع الفلاحي الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من الموارد المائية؛ إلى جانب المشروع الإستراتيجي للطرق السيارة المائية للربط بين الأحواض المائية، وبناء سدود جديدة كبرى ومتوسطة وصغرى”.
أما في مجال الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر فأكد المصرح عينه أن “المغرب يسير في ترسيخ مكانته كرائد إقليمي وقاري في مجال الطاقات المتجددة”، لافتا إلى “تجاوز نسبة مساهمة الطاقات النظيفة في المزيج الكهربائي الوطني حاجز الـ 40%، في طريقها نحو الهدف الملكي المتمثل في بلوغ 52% بحلول عام 2030”.
وشدد الخبير نفسه على أنه “رغم التقدم في مجال الطاقة تظل النظم الإيكولوجية المغربية تحت ضغط متزايد”، مستشهدا بغابات الأركان في الجنوب، وغابات الأرز في الأطلس، التي تواجه تهديدات مزدوجة تتمثل في التغيرات المناخية (ارتفاع درجات الحرارة وشح التساقطات) والأنشطة البشرية غير المستدامة، ومستندا إلى التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دق ناقوس الخطر بخصوص تراجع القطاع الغابوي والواحات وتأثر المنظومة البحرية بسبب الصيد الجائر وعدم احترام الراحة البيولوجية، وانقراض 70% من الحبوب الأصلية وتعويضها بالهجينة في المجال الزراعي، ما اعتبرها مؤشرات وأرقاما “تخفي خطرا حقيقيا يهدد منظومة التوازن البيئي بالبلاد”.
كما تطرق العيسات إلى مشكل تدبير النفايات، مؤكدا أنه “على مستوى التدبير الحضري مازال هذا الملف يشكل تحدياً بيئياً وصحياً في عدة مدن، رغم إطلاق برامج وطنية للتخلص من المطارح العشوائية وتطوير مراكز الفرز، إذ مازال الانتقال نحو ‘الاقتصاد الدائري’ في مراحله الأولى”، مبرزا “الحاجة الماسة إلى تشجيع إعادة التدوير، والحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، وتعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين لتغيير أنماط الاستهلاك، علاوة على تحويل النفايات إلى ثروة وطنية مدرة للدخل ومساهمة في خلق فرص واعدة في التشغيل”.
وخلص مدير مركز سنيفكو للدراسات الإستراتيجية والتنموية إلى أن “السياسات العمومية والبنى التحتية وحدها لا تكفي لإنجاح الرهان البيئي في المغرب، بل إن ذلك يتطلب عقداً بيئياً جديداً يجمع بين الدولة والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمواطن”.
بدوره اعتبر أيوب كرير، باحث في إعداد المجال والتنمية المستدامة، أن “اليوم العالمي للبيئة يمثل مناسبة أممية تتجاوز الطابع الاحتفالي لتشكل محطة سنوية لتقييم الوضع البيئي العالمي، واستشراف التحديات المستقبلية، ومدى التزام المنتظم الدولي بحماية الكوكب”.
وأضاف كرير، في تصريح لهسبريس، أنه “في هذه السنة يأتي هذا اليوم في سياق عالمي استثنائي يتسم بتسارع التغيرات المناخية بدرجة أولى وتفاقم الضغوط على الموارد الطبيعية، ما يزيد المخاطر البيئية التي تمس بشكل مباشر الإنسان، والأمن الغذائي، والأمن المائي، وأيضا الأمن الصحي والاقتصادي لمختلف دول العالم، وخاصة في الدول النامية والدول ضعيفة النمو، ذات الاقتصادات الهشة”.
وأورد المتحدث ذاته أن “المعطيات العلمية الحديثة تشير إلى أن العالم يعيش على وقع مرحلة دقيقة في تاريخ البيئة، إذ إن السنوات الأخيرة سجلت درجات حرارة قياسية غير مسبوقة على الكوكب”.
ولفت الناشط البيئي نفسه إلى “ازدياد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، من قبيل موجات الحر والجفاف الفيضانات، وحرائق الغابات، والأعاصير”.
وأكد رئيس جمعية أوكسجين للبيئة والصحة أن “تدبير النفايات يعد من أبرز التحديات البيئية التي تواجه المغرب”، مشيرا إلى أن “العديد من المجالات تأثرت سلبا بفعل هذا العامل، كما هو الحال بالنسبة لغابة المعمورة ونهر سبو الذي يعاني بدوره من التلوث”، ومضيفا أن “حماية الموارد أصبحت رهانا إستراتيجيا من أجل تحقيق تنمية مستدامة على المستوى الوطني”.
وأردف كرير بأن “العديد من المدن المغربية تعيش تلوثا كبيرا اليوم، سواء تعلق الأمر بتلوث الهواء أو مشكل تدبير النفايات، إلى جانب الروائح الكريهة، ما يؤثر على صحة المواطنين وجودة الحياة في هذه المدن”.
وفي الختام شدد المتحدث ذاته على أن “العمل البيئي صعب، ويستوجب اتحاد جميع الفرقاء، والمنظمات البيئية، بشراكة مع الكل الفاعلين والمؤسسات، لتحقيق تنمية مستدامة شاملة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل بيئة ومستقبل مشتركين”.
The post خبراء يرصدون المكاسب البيئية وتحديات المرحلة المقبلة في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.