خبراء: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاق الإبداع .. ويعمق مخاطر التضليل
قالت ماريا غابرييل، مساعدة المدير العام لليونسكو لشؤون الاتصال والمعلومات، إن “السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يغير مجتمعاتنا، بل هل نحن من يوجّه هذا التحول أم أننا نُساق إليه؟” مضيفة أن “هذا التحول يفرض التفكير في سبل تأطيره بما يخدم الإنسان ويصون حقوقه”.
وأضافت غابرييل أمس الأحد خلال ندوة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب حول “الذكاء الاصطناعي رافعة للثقافة والتنمية”، أن هذا الذكاء دخل بالفعل إلى قطاع العدالة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المغرب، حيث يُستخدم من قبل القضاة ووكلاء الملك والمحامين في مجالات البحث والترجمة وصياغة الوثائق وتدبير القضايا، بل ويسهم في بعض الحالات في تقييم المخاطر وتحديد العقوبات.
ولفتت المسؤولة ذاتها إلى أن الدراسة العالمية لليونسكو تكشف عن فجوة مقلقة تتمثل في تسارع هذا التحول بوتيرة تفوق تطوير الضمانات والتكوين والأطر القانونية اللازمة لتأطيره، مؤكدة أن هذه التكنولوجيا توفر مزايا حقيقية، من بينها تقليص تراكم القضايا وتوسيع الولوج إلى المعلومات القانونية وجعل العدالة أكثر نجاعة وشمولية، لكنها في المقابل تنطوي على مخاطر، من قبيل تعزيز الخوارزميات المنحازة لأشكال التمييز، وتقويض الأنظمة غير الشفافة لمبدأ الإنصاف.
وتطرقت المتحدثة كذلك، ضمن مداخلة مصورة شاركت بها في اللقاء عن بعد، إلى احتمال إضعاف ضمانات المحاكمة العادلة نتيجة الإفراط في الأتمتة، مشددة على أن المبدأ يجب أن يكون واضحاً، وهو أن يعزز الذكاء الاصطناعي العدالة وحقوق الإنسان لا أن يقوضها، وتابعت: “في ما يتعلق بحرية التعبير فإن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للإبداع ويضخم الأصوات، لكنه في الوقت ذاته يسرّع انتشار المحتوى الاصطناعي والمضلل، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة”.

كما قالت غابرييل إن “التحدي لا يقتصر على الجانب التكنولوجي، بل يمس سلامة المنظومة المعلوماتية، خاصة لدى الشباب الذين يستخدمون هذه الأدوات بشكل يومي دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكهم مهارات الفهم والتحقق، وهو ما يزيد من مخاطر التضليل والتلاعب”، خالصةً إلى أن “مقاربة اليونسكو تقوم على مبدأ غير قابل للتفاوض يتمثل في حقوق الإنسان من خلال مواكبة الدول الأعضاء لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي شفافة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز قدرات منظومة العدالة، وتشجيع التربية الإعلامية والمعلوماتية”.
من جانبه أفاد مينغ كوك ليم، مستشار الاتصال والمعلومات لدى مكتب اليونسكو بالرباط، بأن اليونسكو أصدرت العام الماضي تقريرها المعنون بـ “الاتجاهات العالمية لحرية التعبير وتطور وسائل الإعلام”، وهو تقرير يُنشر كل أربع سنوات، موضحاً أن النسخة الأخيرة رصدت عدداً من المؤشرات والإحصائيات المقلقة.
وأضاف كوك ليم، في كلمته، أن من بين هذه المؤشرات ارتفاع نسبة المعلومات المضللة المرتبطة بالتغير المناخي من 22 في المائة إلى 40 في المائة خلال السنوات الأخيرة، ما يعني تزايد انتشار الأخبار الزائفة حول هذا الموضوع، مشيراً أيضاً إلى أن 9 من كل 10 أشخاص يعبرون عن قلقهم من التأثير السلبي المحتمل للذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق ووسائل التواصل الاجتماعي على نزاهة الانتخابات، وهو ما يكتسي أهمية خاصة في السياق المغربي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وتابع المتحدث ذاته بأن الأمر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في تسجيل تراجع عالمي في حرية التعبير بنسبة 10 في المائة خلال السنوات الأخيرة، مبرزاً أن هذا الانخفاض يُعد الأكبر من نوعه منذ سنة 2012، ما يستدعي تعبئة جماعية لمواجهة هذه التحديات المتنامية.

وأكد المستشار نفسه في هذا السياق أن اليونسكو تعمل على تشجيع مختلف شركائها، من مؤسسات حكومية وهيئات وطنية، إلى جانب وسائل الإعلام وقطاع التعليم والباحثين والصحفيين، على الاضطلاع بالدور العمومي الأساسي للصحافة، مشدداً على أن جوهر العمل الصحفي يتمثل في تقديم معلومات دقيقة وموثوقة تُمكّن المواطنين من اتخاذ قرارات أفضل، بغض النظر عن طبيعة التكنولوجيا المستخدمة، مع ضرورة الحفاظ على أسس العمل الصحفي القائمة على طرح الأسئلة الجوهرية والتفكير النقدي، واحترام حقوق الإنسان، والإيمان الراسخ بحرية التعبير والرأي.
أما رنا الأصبحي، الخبيرة في إدارة الشؤون القانونية والمعايير الدولية بمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، فأفادت بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة، بل أصبح فاعلاً حقيقياً في إنتاج المعرفة، مؤكدة أننا لا نعيش مجرد ثورة إلكترونية جديدة، بل حقبة جديدة في صناعة المعرفة، ومضيفةً أن الحديث عن الثقافة في هذا السياق يكتسي حساسية خاصة، باعتبارها ليست مجرد معلومات، بل تمثل هوية ولغة، ما يفرض تحقيق توازن دقيق بين “أنسنة” الثقافة وتوظيف التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، كرافعة حقيقية لتعزيزها.
وأوضحت الأصبحي أن “الإيسيسكو” اشتغلت في هذا المجال على ثلاثة مستويات رئيسية؛ أولها التأطير الأخلاقي، مشيرة إلى “ميثاق الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي” الذي اعتُمد سنة 2024، ويتضمن مجموعة من المبادئ والتوصيات”؛ كما أبرزت أن هذا الميثاق صاغه خبراء من دول العالم الإسلامي في آسيا والمنطقة العربية وإفريقيا، بعد عمل امتد لأربع سنوات من الورش واللقاءات، بهدف صون الخصوصية الثقافية وضمان استفادة بلدان العالم الإسلامي من فرص الذكاء الاصطناعي في نشر المعرفة وتبادلها.
وزادت المتحدثة أن المحور الثاني يتعلق ببناء القدرات، من خلال مبادرات متعددة من بينها كرسي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان، إلى جانب تنظيم برامج وندوات حضورية وعن بُعد تستهدف تأهيل الشباب والمتخصصين وتعزيز كفاءاتهم في هذا المجال المتسارع.

وفي ما يخص المحور الثالث أشارت الخبيرة نفسها إلى التطبيقات العملية، خاصة في مجال حماية التراث، حيث وضعت “الإيسيسكو” إستراتيجية لحماية الممتلكات الثقافية من الاتجار غير المشروع، مع اعتماد الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في عمليات الحماية وتيسير الولوج إلى المعلومات ونشر التراث الإسلامي، إضافة إلى دعم تطبيقات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ومشروع “معجم البيانات والذكاء الاصطناعي” الذي يهدف إلى تحسين جودة المدخلات العربية في هذه التقنيات، بما يعزز حضور اللغة العربية ويحافظ عليها.
من جانبه قال عز الدين بناني، الأستاذ بجامعة الأخوين ومؤسس المرصد المغربي للذكاء الاصطناعي، إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي يثير ردود فعل متباينة، تتراوح بين الحماس الكبير لما تتيحه هذه التقنيات من إمكانيات والقلق بشأن آثارها، وأوضح أن هناك من يرى فيها وسيلة لرفع الإنتاجية وتعزيز الأداء المهني، إذ أصبحت هذه الأدوات، المتاحة في الهواتف الذكية، قادرة على إنجاز مهام متعددة بسرعة، ما يجعلها بمثابة امتداد لقدرات الإنسان في العمل اليومي.
وأضاف بناني أن الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات لا يعني بالضرورة أن مخرجاتها دقيقة أو منسجمة مع الحقيقة أو السياق الثقافي، مشيراً إلى أن الإجابات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي قد لا تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية، خاصة في ما يتعلق باللغة العربية بتنوعاتها، بما في ذلك “الدارجة”، وهو ما يطرح تحديات حقيقية في نقل الثقافة وتمثيلها بشكل صحيح داخل هذه الأنظمة.
وأكد الأكاديمي ذاته أن الإشكال يرتبط أساساً بمصدر هذه التقنيات، إذ إن معظم حلول الذكاء الاصطناعي المتداولة عالمياً طُورت في الولايات المتحدة، إلى جانب بعض النماذج الناشئة في الصين وأوروبا، ما يعني أن البيانات التي دُرّبت عليها هذه الأنظمة تعكس في الغالب سياقات غير عربية، ولفت إلى أن ما تُعرف بالخوارزميات لا ينبغي فهمها كبرامج حاسوبية فقط، بل كمنهجية تفكير تسبق تصميم التطبيقات، ما يستدعي إعادة النظر في سلاسل تطوير هذه التقنيات لفهم تأثيرها على الثقافة.

وفي السياق ذاته أوضح المتحدث أن النماذج اللغوية الكبرى تُدرّب أساساً على بيانات غير عربية، ذات طابع أمريكي في الغالب، وهو ما ينعكس على طبيعة المخرجات التي تقدمها، حتى عند التفاعل معها باللغة العربية؛ إذ تعمل في كثير من الأحيان كـ”مرآة” تعكس ما يُطلب منها دون فهم عميق للسياق الثقافي، خالصاً إلى أن هذا الواقع يبرز أهمية تطوير محتوى عربي غني ومؤطر، لضمان حضور فعّال للغة والثقافة العربية في منظومة الذكاء الاصطناعي.
The post خبراء: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاق الإبداع .. ويعمق مخاطر التضليل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.