خبراء التربية يدعون إلى تقييم أثر أجهزة كشف الغش في الامتحانات

دعا متخصصون في علوم التربية وجودة التعليم إلى إجراء تقييم شامل للإجراءات المتعلقة باستخدام أجهزة كشف الغش في امتحانات البكالوريا، ورصد أثرها النفسي والتربوي على المترشحين والمترشحات، مبرزين أن “نجاح هذه التدابير لا يُقاس فقط بمدى قدرتها على الحد من حالات الغش؛ بل كذلك بمدى احترامها لظروف اجتياز الامتحانات وضمان شعور المترشحين بالطمأنينة والإنصاف”.

وأصدرت الجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي بلاغا، توصلت به هسبريس، طالبت فيه بـ”اعتماد بروتوكولات واضحة وموحدة لاستعمال هذه الأجهزة، بما يحقق هدف مكافحة الغش دون الإضرار بحقوق الممتحنين أو التأثير على ظروف اجتيازهم للاختبارات”، مساندة بذلك الدعوة إلى إجراء تقييم شامل لهذه التدابير في ظلّ النقاش المجتمعي الذي رافق اعتمادها.

مقاربة مركبة

قال عبد الناصر الناجي، الخبير التربوي ورئيس مؤسسة “أماكن” لجودة التعليم، إن “استخدام أجهزة إلكترونية متحركة لمحاربة الغش يُعد من الموضوعات الجدلية ذات الأبعاد التربوية والنفسية”.

وأوضح الناجي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “الجانب الإيجابي يتمثل في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص من خلال رصد المحاولات غير المشروعة بدقة؛ مما يحمي حقوق المجتهدين، وفي الردع النفسي المسبق الذي يقلل من دافعية الغش، وأيضا في تخفيف العبء والضغط عن كاهل المراقبين”.

ونبه الخبير التربوي إلى أن الجهاز سالف الذكر “يرفع الحرج الاجتماعي والتهديدات التي قد يواجهها الأساتذة من قِبل بعض التلاميذ المشاغبين”.

واستدرك المتحدث عينه بالقول: “لكن هناك جوانب سلبية تتجلى أساسا في تحويل فضاء الامتحان إلى ما يشبه الثكنة العسكرية أو السجن؛ مما يولّد شعورا عارما بالشك والريبة”، لافتا إلى أن “هذا الشعور يُفقد المؤسسة التعليمية بعدها التربوي الأخلاقي القائم على الثقة وبناء القيم”.

كما تتجلى التوترات التي تلاحقه، وفق الناجي، “في رفع مستويات القلق والتوتر الإدراكي؛ لأن الأجهزة المتحركة تُشتت الانتباه وتُحفز إفراز هرمونات التوتر، مما يؤثر سلبا على الذاكرة العاملة وقدرة التلميذ على استرجاع المعلومات”.

وتابع رئيس مؤسسة “أماكن” لجودة التعليم: “عموما، عندما تُدمج هذه الأجهزة بشكل مستتر ودون ضجيج، فإن هذه الآثار السلبية تخف بشكل واضح، خاصة إذا واكبتها تدابير وقائية كما هو الحال في بعض الأنظمة التعليمية المتقدمة”.

وذكر المصرح ذاته أن “هذه الأنظمة تجاوزت منذ فترة المقاربة ‘الأمنية الصرفة’ للغش، وتتعامل مع القضية عبر مستويات أكثر عمقا؛ من قبيل إعادة هندسة التقويم من خلال التركيز على أسئلة تقيس مهارات التفكير العليا، على غرار التحليل والنقد والتركيب وحل المشكلات، بدلا من الحفظ والاستظهار”، فضلا عن “إعطاء قيمة كبرى للتقويم التكويني وتقليل الاعتماد على ‘الامتحان الإشهادي الوحيد’ ذي الدرجة الحاسمة، وتوزيع التقييم على مشاريع، وبحوث، وعروض شفوية طيلة السنة”.

وعند الحاجة إلى استخدام التكنولوجيا، سجل الخبير التربوي أن “هذه الأنظمة تفضل أدوات غير مرئية لا تسبب تشتيتا للممتحن”، خالصا إلى أن “استخدام أجهزة إلكترونية تجوب مكان الامتحان قد ينجح في ضبط القاعة سلوكيا، لكنه يمثل حلا سطحيا لظاهرة بنيوية”.

ولفت الناجي إلى أن “الأنظمة المتقدمة تُدرك أن الغش هو عَرَض لخلل في منظومة التقويم والتعلم. ولذلك، فإن الاستثمار في تطوير طرق التدريس وأساليب التقييم وبناء القيم الأخلاقية لدى المتعلم يظل أكثر استدامة وأقل تكلفة نفسية وتربوية من عسكرة فضاءات الامتحانات”.

الحاجة إلى تقييم

من جانبه، قال جمال شفيق، الباحث والخبير في الشأن التربوي، إن اعتماد أجهزة وتقنيات الكشف عن وسائل الغش داخل مراكز الامتحانات يندرج في إطار البحث عن آليات أكثر فاعلية لضمان نزاهة الاستحقاقات الإشهادية.

وأبرز شفيق، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس، أن هذه التجربة تهدف أساسا إلى الحد من استعمال الهواتف المحمولة والأدوات الإلكترونية التي قد تُستغل في الغش، على غرار ما هو معمول به في عدد من الأنظمة التعليمية عبر العالم.

وأوضح الخبير أن تقييم هذه التجربة ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية ودراسات ميدانية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار تقارير الإدارات التربوية والمشرفين على الامتحانات، فضلا عن ملاحظات التلاميذ ومختلف المتدخلين؛ من أجل الوقوف على مدى فاعليتها في تحقيق الأهداف المرجوة وتحديد جوانب القوة والقصور فيها.

وأكد المصرح عينه أن من أبرز المؤشرات الإيجابية التي أفرزتها التجربة ارتفاع منسوب الحيطة والحذر لدى عدد من المترشحين، إذ فضّل كثير منهم عدم إحضار الهواتف المحمولة إلى مراكز الامتحان تفاديا لأي إشكال محتمل، معتبرا أن هذا السلوك يعكس أثرا وقائيا مهما يمكن أن يسهم في تقليص فرص الغش وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين والمترشحات.

وأشار الباحث في الشأن التربوي إلى أن أي تقييم متوازن لهذه التجربة يجب ألا يقتصر على رصد مكاسبها فقط؛ بل ينبغي أن يشمل كذلك دراسة الآثار الجانبية المحتملة، خاصة ما يرتبط بالجوانب النفسية ومدى شعور بعض التلاميذ بالارتياح أو التوتر أثناء اجتياز الاختبارات، مؤكدا أن نجاح مثل هذه الإجراءات يقتضي تحقيق التوازن بين فاعلية المراقبة وبين ضمان ظروف امتحان ملائمة للمترشحين.

وشدد شفيق على أهمية التواصل المسبق مع التلاميذ والأسر والأطر التربوية بشأن طبيعة هذه الإجراءات وأهدافها، مبرزا أن التهيئة والتوعية تسهمان في تعزيز تقبلها وتقليل التخوفات المرتبطة بها، ومؤكدا أن الحكم النهائي على التجربة ينبغي أن يُبنى على نتائج دراسة علمية شاملة تقيس أثرها الحقيقي في الحد من الغش وتحسين مصداقية الامتحانات.

The post خبراء التربية يدعون إلى تقييم أثر أجهزة كشف الغش في الامتحانات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress