خاتمة مؤثرة لرجل من العيار الثقيل

شاء مقدر الأقدار أن تكون نهايته في السابع والأربعين من عمره، في قمة عطاءه ونجاحاته، وهو الأب الحنون لخديجة وعائشة وبهجة حياته علي.

كانا في مطار الدار البيضاء حيث من المنتظر أن تقلع الطائرة نحو مطار الناظور، لتأطير تكوين في ملحقة الغرفة التجارية الإسبانية هناك.

صحبة زوجته الكريمة، انتابته أزمة قلبية مفاجئة،… لتتوقف الحافلة التي كانت تقله إلى داخل ساحة المطار بسرعة، وما أن تم وضعه على عجل في حمالة الإسعاف، حتى أسلم الروح لبارئها…

لم تستطع حرمه تحمل ما حدث أمامها بسرعة البرق، فخرت هي الأخرى في غيبوبة طويلة.

تكفلت المصالح الأمنية بعد ذلك بالحدث، وأجاب رجالها عن سيل الهواتف التي تسأل عن حالة الرجل ومرافقته، بنوع من البرود، ومع ذلك تم حجز سيارة للإسعاف من طنجة، وهرع بعض المقربين وأفراد من العائلة إلى مطار محمد الخامس في اللحظات الموالية.

ولد الفارس المترجل البشير اجويد  في السنة الأخيرة من عقد سبعينات القرن الماضي ليلة المولد النبوي الشريف، ولذلك فقد كانت تخبره أمه أنه قد ولد حاملا لاسمه “البشير”.

وماهي إلا سنوات حتى رحل والده رحمه، المنحدر من قبيلة بني جرفط، عن دار الدنيا وتركه يتيما صحبة أختين وأخ.

لكن أمه الصابرة المحتسبة، أخذت على نفسها عهدا أن تربي الأبناء وتعيلهم لوحدها حتى توصلهم إلى أعلى المراتب.

وهكذا نشأ البشير في حومة السانية/ جنان قبطان بالمدينة القديمة بطنجة، وصاحب أبناء الحي وزاملهم في فرق كرة القدم، وعايش كل مغامرات الطفولة بجانبهم.

سيختار في فترة المراهقة متابعة الدراسة الثانوية في العلوم الاقتصادية. وخلال هذه المرحلة سيتعرف على ثلة من الأصحاب ستزيد من همته وعطاءه وستعدل إلى الأبد مسيرته في الحياة نحو بلوغ المعالي.

كان يجالسهم ويصاحبهم، ومعهم تعلم الحفاظ على الصلوات في المسجد وذكر الله وحب المؤمنين.

لحظة أخرى كانت فارقة في حياته، هي لحظة ولوجه معهد التدبير الصناعي، تخصص إعلاميات التسيير.

سيتعرف هناك على أصحاب جدد وأساتذة أكفاء اختيروا بعناية، لكن الجميل في ذلك هو علاقته المتميزة مع مدير المعهد السيد محمد العربي الطبلة.

درس سنة واحدة هناك، وفي السنة الموالية سيتم قبوله في المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير.

أربع سنوات قضاها هناك كانت تدريبا حياتيا وبناء متينا لشخصية البشير التي جمعت بين الإحسان في التعامل والشجاعة في اقتحام العقبات.

هناك أخذ المعارف الأكاديمية والتطبيقية، لكنه مارس العمل الجماعي وأسس النوادي ونظم الفعاليات وربط العلاقات، ليس فقد داخل المدرسة بل حتى خارجها مهنيا وعلميا وتدريبيا وتربويا…

خلال هذه المدة قدم دروسا إضافية لطلبة السنوات الجامعية الأولى في المحاسبة وعلوم الاقتصاد، فتدرب جيدا على التعليم والتدريب، وهي الأمور التي استمر في ممارستها طيلة مسيرته المهنية، بالإضافة إلى تأطير وتوجيه التلاميذ والطلبة.

اشتغل في وكالة لشركة ميديتيل بالعرائش، وبعد مدة ليست بالطويلة، عمل إطارا في شركة ديلفي للكابلات بطنجة، حيث واصل تكوينه النظري والتطبيقي وأصبح مكونا معتمدا في بعض التخصصات.

ورغم أنه كان يتقاضى راتبا محترما، لكن شخصية مثل البشير لم تكن ترضى بالعيش أجيرا تحت رحمة رب العمل.

ومن خلال معارفه وصداقاته اختار صديقا محاسبا ليؤسسا معا مكتبا متواضعا للمحاسبة في طنجة.

أشرف الأستاذ البشير على المكتب بشكل شبه كلي نظرا لغياب شريكه وارتباطه ببعض الشركات.

ورغم قلة خبرته ودخوله في مجال لم يشتغل فيه من قبل، إلا أنه شق طريقه بصعوبة على الصخر، ليبدأ بعون الله في بناء مجده المهني.

وماهي إلا أشهر قليلة حتى استقل بمشروعه، ثم عمد إلى مكتب Audinord الحديث التأسيس، فابتاعه وأصبح مسيرا له كمحاسب معتمد منذ سنة 2008.

منذ ذلك التاريخ وسع مجالات عمله، وأخذ تكوينات  وشهادات جديدة في مجالات متعددة تهم الاقتصاد والتسيير والتنمية البشرية والتوجيه والمواكبة.

وأصبح مكتبه قبلة لطالبي التدريبات المهنية وحاملي المشاريع والأفكار الذين يحتاجون إلى عناية ورعاية.

تأثر بشخصيات كثيرة مرت من حياته واستفاد من خبرتها أيما استفادة، من بينهم الأستاذ هشام بلغزواني والسيد محمد العربي الطبلة والأستاذ عبد الله الشيباني.

بالموازاة مع الجانب المهني، كان للأستاذ البشير اجويد جوانب أخرى أضاءت حياته رغم أنه كان يخفيها عن العيون، فقد كان مسارعا في الخيرات ومعيلا للضعفاء والأيتام وناصرا لقضايا أمته خاصة قضية فلسطين والمسجد الأقصى.

حاضر الأستاذ الراحل في جامعات المغرب المتعددة وشارك في ندوات ومؤتمرات داخل المغرب وخارجه، مبلغا خبرته وعلمه في الآفاق.

جاء خبر نعيه في بعض المواقع المحلية، وصدرت تعزيته في كبرى الجرائد الفرنسية بالمغرب Le matin، حيث فوجئ كل من يعرف الأستاذ البشير من زبائن مكتبه وموظفي الإدارات والبنوك التي كان يتعامل معها، فضلا عن عشرات بل مئات المعارف والأصدقاء، فوجئوا بوفاته الغير متوقعة في فترة منتصف العمر.

رحم الله البشير اجويد وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اقرأ المقال كاملاً على لكم