حَراك عراقي واسع الأبعاد
في العراق حَراكٌ غير مسبوق، داخلياً ومع الخارج، ولولا تداعيات الحرب المجنونة التي تحصل في المنطقة، لكان يمكن تسمية تموز/يوليو بشهر بلاد ما بين النهرين من دون تردُّد. فبعد انطلاق حملة التوقيفات والمداهمات التي استهدفت مكافحة الفساد ووقف الاختلاسات الهائلة للمال العام، والتي طالت شخصيات كان يصعُب التعرُّض لها سابقاً؛ جرت تسويات مهمة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، ومن ثُمَّ أعلن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي خطة لحلّ فصائل الحشد الشعبي، وحصر امتلاك السلاح بالقوى النظامية العراقية وفق برنامج ينتهي تنفيذه مطلع تشرين الأول/اكتوبر المقبل.
تجاوز حصار النفط
أما على المستوى الخارجي؛ فقد استطاعت حكومة الزيدي تجاوز المحنة المالية التي أصابت البلاد جراء الحصار على الصادرات النفطية بسبب إقفال مضيق هرمز لشهور – وهو منفذ رئيسي للمبيعات العراقية إلى الخارج – وهي فتحت خط نقل بري عبر سوريا، وفعَّلت خط الجر إلى ميناء جيهان التركي، واتخذت إجراءات جدية لمنع أي تسريبات مالية نقدية من العراق إلى الخارج، وفرضت عقوبات على شخصيات مقرَّبة من "حزب الله" اللبناني وحضَّرت أي تعامل معه، وهو ما أقنع الإدارة الأميركية بإعادة النظر بقرار منع توريد العملة الصعبة إلى العراق.
ووسط هذا الحراك غير المسبوق لحكومة علي الزيدي الذي وُصِفَ بأنه رجل أعمال وليست له خبرة بالسياسة والأمن؛ قام رئيس الوزراء بزيارتين هامتين مترابطتين. الأولى لواشنطن في 14 تموز/يوليو والتقى فيها الرئيس دونالد ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين، والثانية لطهران في 23 منه، والتقى خلالها الرئيس مسعود بزكشيان وكبار المسؤولين الإيرانيين. وجهِدَ فيهما الى إقناع الإدارتين اللدودتين بأن ما يقوم به في العراق لا يستهدف مصالح كلا الدولتين، محاولاً الحفاظ على علاقات متوازنة بين بغداد من جهة وكل من واشنطن وطهران من جهة ثانية، رُغم الاستحالة الواقعية للاستمرار في المقاربة القديمة التي كانت مُعتمدة منذ العام 2003، لأن ما بعد 28 شباط/فبراير 2026 لن يكون كما قبله.
اللقاء بين الزيدي وترامب في البيت الأبيض كان مُريحاً، وفق ما تمَّ تسريبه من المصادر وفي وسائل الإعلام، وترامب قال إنه مستعد لتقديم المساعدة العسكرية للعراق إذا احتاج لذلك، كما أشار إلى شراكة نفطية واستثمارية واعدة بين البلدين في المستقبل. بينما أكد الزيدي رغبة بغداد في تطوير التعاون مع واشنطن في مختلف المجالات. وليس سراً أن الأميركيين كان لهم دور أساسي في وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة، وهم فرضوا حظراً صارماً على المُرشح المنافس نوري المالكي المُقرَّب من طهران.
وبالفعل فإن مؤشرات التعاون الأميركي – العراقي بدأت تظهر من خلال الاتفاقيات التي وُقِّعت بين الشركات الأميركية ووزارة الطاقة العراقية، وقد قدر الوزير باسم محمد قيمة هذه العقود بما يتجاوز 200 مليار دولار، وهي تشمُل التنقيب في حقول النفط والغاز، وتأهيل أنابيب نقل المنتجات العراقية عبر الأراضي السورية والتركية، وربما اللبنانية لاحقاً.
سلاح الميليشيات
أما زيارة الزيدي الرسمية لطهران – علماً أنه زارها من قبل بواجب اجتماعي للمشاركة في تشييع المُرشد الأعلى علي خامنئي – فقد حصدت اهتماماً واسعاً، كونها تناولت موضوعات مُتعددة، أهمها طلب المساعدة الإيرانية في ملف جمع سلاح الميليشيات، وبعض هذه المجموعات المُقرَّبة من الحرس الثوري يمتنع عن التجاوب مع خطة الحكومة العراقية السلمية. ولم تتسرَّب أي معلومات جدية حول الموقف الإيراني الفعلي من هذا الملف، لكن عملية توقيع 4 اتفاقيات بين البلدين تشمل انشاء خط سكك حديد من ايران إلى بغداد لملاقاة الممر الاستراتيجي الذي ينطلق من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا؛ يؤشر إلى رغبة بالتعاون في المستقبل، بما لا يتعارض مع خطط الحكومة العراقية.
للعراق دور أساسي في تحقيق استقرار أمني وسياسي ونفطي في المستقبل، خصوصاً إذا ما تمكن بالفعل من ضبط نفاذ السلاح من أراضيه الى سوريا ولبنان، خصوصاً إذا تمكنت الحكومة من ضبط انفلاش العمل الميليشيوي، وكذلك إذا نجحت في تغطية النقص الحاصل في أسواق النفط عن طريق زيادة انتاجها من هذه المادة.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية