حين يقف اللاعبون أمام الوطن

لا أنتمي إلى أولئك الذين يطاردون كرة القدم في كلّ ملعب، ولا أتابع مبارياتها إلا لمامًا، حين تفرض المناسبة نفسها أو حين يحمل القميص ألوان فريقنا الوطني؛ فهناك يصبح الأمر مختلفًا، ويغدو النظر إلى الشاشة أقرب إلى مشاركة وجدانية في مصير جماعي. لكنني، وأنا أتابع المباريات الأولى من كأس العالم، وجدت نفسي مأخوذًا بما يسبق اللعب لا بما يحدث داخله: لحظة النشيد الوطني. قبل أن تتحرك الكرة، وقبل أن يبدأ الصراع على المساحات والأهداف، يقف اللاعبون في صمت مهيب، وتنهض الأعلام في الصورة، وتطل الأوطان من الوجوه المتوترة والعيون اللامعة. في تلك اللحظة تحديدًا أدركت أن كرة القدم تحمل معها ذاكرة الشّعوب، وكرامة الجماعات، وصورة الوطن حين يقف أمام العَالَم. ومن وحْي ذلك المشهد العابر، الذي لا يتجاوز دقائق قليلة لكنه يختصر مَعانٍ كثيرة، أكتب هذا الحديث.

ما تقولُه الأوطانُ عندَ بداية المباريَات

في اللّحظة التي يدخل فيها اللاّعبون إلى أرضية الملعب، لا تبدأ المباراة بوصفها مواجهة رياضية؛ يبدأ معها مشهد أوسع، يحمل الوطن إلى قلب العشب الأخضر. تصطف الأجساد في خط واحد، وتقترب الكاميرات من الوجوه، ويرتفعُ صخب المدرجات كأن الجمهور يستعدّ لسماع شيء أعمق من الموسيقى. ثم تعزف الفرقة الموسيقية النشيد الوطني، فيشدّ اللاعبون أكتافهم، ويرفع بعضهم رؤوسهم، ويضع آخرون أيديهم على صدورهم، بينما تبحث العيون عن العَلَم، وعن معنى الانتماء، وعن صورة الوطن كما تحتفظ بها الذاكرة. في تلك الثواني، يظهر اللاعب ابْنًا لتاريخٍ طويل: تاريخ عائلات انتظرت هذه اللحظة، ومدن صنعت موهبته، ومدارس وأحياء وملاعب صغيرة قادته إلى هذا المشهد الكبير. يتحوّل النشيد إلى بوّابة يدخل منها المجتمع كله إلى المباراة؛ تدخل معه الحكايات القديمة، وتدخل معه أسئلة الهوية، وتدخل معه السياسة التي لا تغيب عن الرياضة مهما حاولت الشعارات أن تجعلها لعبة خالصة. لذلك لا يسمع الجمهور اللحن وحده، يسمع شيئًا من تاريخه، ومن كرامته، ومن خوفه، ومن رغبته في أن يرى وطنه قويًا أمام أنظار العالَم.

في تلك اللحظة القصيرة، يتحوّل العشب الأخضر إلى مسرح ذاكرة، وتحمل الأقمصة ألوانًا أكبر من الرياضة. لا يأتي النشيد من فراغ. خلف كل لحنٍ تختبئ حكايةُ وطنٍ تشكّل بين الاستقلال والمقاومة، وبين وحدةٍ عسيرة وجرحٍ قديم استطاع المجتمع أن يُعلنهُ فخرًا. ليست الكلمات مجرد وصفٍ للوطن، إنها مرآةٌ لوعي الناس بذواتهم: أحرارًا، صامدين، مُتّحدين، أو سَاعين إلى تثبيت حضورهم في عالمٍ لا يعترف بالضّعفاء. من هنا ينبع حماس الجمهور؛ فالمدرّجات تشاهد أحد عشر لاعبًا، وفي الآن ذاته صورةً مُكثّفة للكَرامة والانتماء.

نشيدٌ واحد، وجوهٌ كثيرة، وطنٌ واحد

ثم تنتهي الموسيقى، ويبدأ الركض. لكن أثر النشيد يظل في الهواء. اللاعب الذي غنّى منذ ثوانٍ لا يلعب لنفسه، والجمهور الذي ردّد الكلمات لا يشاهد مباراة عادية. هكذا يصبح افتتاح المباراة درسًا سريعًا في معنى الوطن، مكتوبًا بالصوت، ومقروءًا في الوجوه، ومحسوسًا في الصمت الذي يسبق أول تمريرة.

تكشف الأناشيد أيضًا علاقة الشعوب بتاريخها. بعض الألحان تميل إلى الإيقاع الحماسي، كأنها تستدعي معارك التحرّر وحِراسة الحُدود. ألحانٌ أخرى تختار نبرة هادئة، فتربط الوطن بالأرض واللغة بالحنين. تلاحقُ عدسات البثّ الدّموع، الشّفاه المرتجفة، الأيدي الموضوعة على الصدر، الأطفال في المدرجات، والمشجع الذي يصرخ من آخر صفٍّ كأنه يُخاطب التّاريخ مباشرة. الإعلام يعرف أن تلك الثواني تنقلُ أكثر من صورة رياضية؛ إنها تمنح البطولة عمقًا عاطفيًا، وتحوّل الكاميرات لحظة الافتتاح إلى مشهد يعلق في الذاكرة الجماعية. ينتقل النشيد من المدرّجات إلى الشاشات، ثم يصل إلى البيوت والمطاعم والمقاهي والسكن الطلابي، فيجد فيه المشاهدون، ولا سيما المغتربون، طريقًا قصيرًا نحو الوطن، كأن النشيد وحده يكفي ليعيد إليهم شيئًا من المكان الذي ابتعدوا عنه. بهذا المعنى، يفتح النشيد سؤال الوحدة. فعندما يغنّي الجمهور الكلمات نفسها، لا تزول الفوارق الاجتماعية واللغوية، لكنها تتراجع مؤقتًا أمام إيقاع مشترك. يجد العامل والطالب والوزير والطفل والمسن أنفسهم داخل النبرة ذاتها، فتظهر بينهم هدنة رمزية لا تعالج مشكلات المجتمع، لكنها تكشف رغبة عميقة في الانتماء إلى معنى واحد، حتى حين يختلف الناس حول السياسة والاقتصاد والمستقبل.

حينَ تصمتُ المدرجَات ويتكلَّمُ الوطن

حين تنتهي آخر نغمة من النشيد، لا يختفي أثرها مع أول تمريرة أو أول صافرة. يبقى شيء منها في وجوه اللاعبين، وفي صوت الجمهور، وفي الذاكرة التي تحتفظ بتلك اللحظة أكثر مما تحتفظ أحيانًا بتفاصيل المباراة نفسها. قد يفوز الفريق، وقد يخسر، وقد يختلف الناس حول أداء الحكم أو خطة المدرب، لكن لحظة النشيد تظل خارج الحسابات الباردة للنتيجة. إنها تمنح اللقاء عمقًا إنسانيًا وسياسيًا واجتماعيًا، لأنها تجعل الناس يرَوْن الوطن في صورة ثابتة: علَمٌ يرتفع، صوت يتردّد، لاعبون يمثلون ملايين المواطنين، وجمهور يبحث في الفوز عن اعتراف رمزي بكرامته. هكذا يكشف افتتاح المباراة أنَّ الرياضة لا تعيش خارج التاريخ، وأن الملعب لا يفصل الناس عن قضاياهم، وإنما يجمعها في مشهد واحد شديد الكثافة. لذلك يصبح النشيد الوطني أكثر من مقدمة رسمية؛ يصبح مرآة يرى فيها المجتمع نفسه، ويرى فيها العالم ملامح أمة وهي تغني، تتذكر، تتوتّر، تحلُم، ثم تدخل المباراة كأنها تدخل فصلًا جديدًا من حكَايتها.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

The post حين يقف اللاعبون أمام الوطن appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress