حين يضيق البحر الأحمر: اضطرابات تهدد الأسعار والنمو
لا يحتاج المستهلك إلى متابعة خرائط الملاحة لكي يشعر بما يحدث في البحر الأحمر. السلعة التي تتأخر في الوصول، والحاوية التي ترتفع تكلفة شحنها، وشحنة الوقود التي تصبح أكثر عرضة إلى المخاطر، تنقل كلها الاضطراب من باب المندب إلى المتاجر والمصانع وميزانيات الأسر.
بعد أكثر من سنتين على بدء هجمات "الحوثيين" على السفن، لم تعد أزمة البحر الأحمر حادثاً عابراً تنتظر شركات الشحن نهايته. أصبح الطريق الأطول حول أفريقيا جزءاً من حساباتها اليومية، فيما تراكمت تكلفة الوقود والتأمين والتأخير. أما التطور الأخطر في عام 2026، فهو تزامن التوتر في باب المندب مع الاضطراب في مضيق هرمز، بما يهدد بجمع مشكلتين في وقت واحد: صعوبة نقل البضائع، وارتفاع مخاطر نقل الطاقة.
قبل الأزمة، كان البحر الأحمر وقناة السويس يوفران الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا، ويمر عبرهما نحو 15 في المئة من حجم التجارة البحرية العالمية، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. لكن الهجمات التي بدأت في أواخر عام 2023 دفعت شركات كثيرة إلى تحويل سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، في رحلة تضيف آلاف الكيلومترات ونحو 10 أيام أو أكثر، بحسب الموانئ ومسار الخدمة.
كان الاعتقاد في البداية أن الالتفاف حول أفريقيا تدبير موقت. لكن بيانات صندوق النقد الدولي أظهرت في نيسان (أبريل) 2026 أن حركة السفن عبر باب المندب ظلت عند نحو نصف مستواها السابق للهجمات. بعبارة أخرى، تعلم الاقتصاد العالمي العيش مع الأزمة، لكنه لم يتجاوزها.
عودة خجولة إلى السويس
في تموز (يوليو) الماضي، ظهرت بارقة أمل عندما أعلنت شركتا "ميرسك" و"هاباغ لويد" العملاقتين لنقل الحاويات إعادة خدمة محددة عبر قناة السويس، بعد تقييم الوضع الأمني. حمل القرار دلالة مهمة، إذ إن العودة إلى الطريق الأقصر يمكن أن تخفض استهلاك الوقود، وتسرّع وصول البضائع، وتحرر سفناً أصبحت الرحلات الطويلة تستنزفها.
لكن العودة بقيت محدودة وحذرة. في الخامس من آب (أغسطس)، انخفض عدد السفن العابرة لباب المندب، في أحد الأيام، إلى سفينة واحدة، في مقابل 20 سفينة في اليوم السابق، وفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في بيانات النقل البحري، بعد إعلان "الحوثيين" مهاجمة ناقلات مرتبطة بالمملكة العربية السعودية.

لا يكفي يوم واحد لإثبات اتجاه دائم، لكن هذا التراجع الحاد يكشف هشاشة الوضع. لا يعتمد قرار العودة إلى عبور البحر الأحمر على قدرة السفينة على ذلك فحسب، بل يتطلب أيضاً موافقة شركة التأمين، واستعداد الطاقم، وتقدير مالك السفينة للخطر. قد يكفي هجوم واحد أو تحذير أمني جديد لإعادة رسم مسارات عشرات السفن.
تظهر التكلفة في مؤشرات الشحن. في السادس من آب، بلغ مؤشر "درويري" العالمي المتخصص في بحوث النقل البحري أربعة آلاف و297 دولاراً للحاوية ذات الأربعين قدماً، مرتفعاً واحداً في المئة بعد ثلاثة أسابيع من التراجع. لا يمكن ردّ التسعير كله إلى البحر الأحمر، إذ تتحكم فيه أيضاً حركة الطلب وازدحام الموانئ وإدارة شركات الشحن لطاقتها، لكن التوتر الأمني يمنع السوق من استعادة استقرارها.
فاتورة تصل إلى المستهلك
لم تؤدِّ الأزمة، حتى الآن، إلى اختناقات تشبه ما شهده العالم خلال جائحة كورونا. أصبحت الشركات أكثر خبرة في تقديم مواعيد الطلبات، وزيادة المخزون، وتنويع طرق النقل. إلا أن هذا التكيف مكلف: رحلة أطول، ووقود أكثر، وتأمين أغلى، وسفن إضافية لنقل الكميات نفسها.
لا تظهر هذه التكلفة دائماً في الأسعار فوراً. قد يمتص المستورد جزءاً منها، وقد تقبل الشركة بهامش ربح أقل لبعض الوقت. لكن استمرار الاضطراب يدفع التكلفة في النهاية إلى المستهلك، خصوصاً في السلع الثقيلة والمنخفضة الهامش والمواد الأولية القادمة من آسيا.
الخطر الأكبر اليوم هو اشتداد الاضطراب في باب المندب وهرمز معاً. فالأول يمثل المدخل الجنوبي إلى البحر الأحمر، بينما يمر عبر الثاني جزء أساسي من صادرات النفط والغاز الخليجية. عندها لا تعود المشكلة تأخير الحاويات وحده، بل تصبح أيضاً وقوداً أعلى سعراً، وناقلات أقل توافراً، وتأميناً أكثر تكلفة. وقد حذرت "الأونكتاد" من أن انخفاض حركة السفن وارتفاع علاوات المخاطر يدفعان أجور نقل النفط والغاز المسال صعوداً.
لقد أثبتت التجارة العالمية قدرتها على إيجاد طرق بديلة. لكنها طرق أطول وأغلى وأكثر تلويثاً. لذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت البضائع ستصل، بل متى ستصل، وبأي تكلفة، ومن سيدفع الفرق في النهاية.