حين يدق الوطن جدران الخزان

من سايغون إلى سبتة… عندما يصبح البحر مرآة للأوطان

لم تبدأ أكبر موجات الهجرة والنزوح في تاريخ البشرية من البحر، بل بدأت من اليابسة.

بدأت في تلك اللحظة الصامتة التي ضاقت فيها الأوطان بأحلام أبنائها، وغدت المسافة إلى الكرامة أطول من المسافة بين ضفتين. عندها لم يعد البحر مجرد امتداد للماء، بل تحول إلى سؤال وجودي، وإلى احتمال أخير يسبق اليأس الكامل. فحين يعجز الإنسان عن أن يرى مستقبله على اليابسة، يصبح الأفق البعيد أكثر إغراء، ولو كان محفوفا بالغرق.

هكذا خرج الفيتناميون بعد سقوط سايغون. لم يكن البحر بالنسبة إليهم مغامرة، بل آخر الأبواب التي لم تغلق بعد. حملوا أبناءهم على قوارب خشبية متهالكة، تاركين وراءهم الحرب والانهيار والخوف. ابتلع البحر كثيرين، وافترستهم العواصف والجوع، لكن الناجين حملوا معهم إلى ذاكرة الإنسانية واحدة من أكثر صور القرن العشرين إيلاما، ” لاجئو القوارب “.

وتكررت الصورة، بعد سنين عديدة، وإن اختلفت الجغرافيا. خرج السوريون هربا من حرب مزقت المدن والبيوت، وخرج الليبيون من بلد أنهكته الفوضى والانقسام، كما شهدت مناطق أخرى من العالم المشهد ذاته بأسماء مختلفة. ورغم اختلاف السياقات، بقي الجامع بينها واحدا: البحر لم يكن سبب الرحيل، بل كان آخر مراحله.

وبعد نصف قرن على مأساة فيتنام، ما زال البحر يحتفظ بذاكرته. وحدها الوجوه تغيرت.

هذه المرة ليست سواحل بحر الصين الجنوبي، بل شواطئ المغرب الشمالية. وليست القوارب تنطلق من بلد مزقته حرب أو اجتاحته مجاعة أو جائحة، بل من بلد يحقق إنجازات كبرى، ويعزز مكانته الإقليمية والدولية، ويواصل إطلاق مشاريع استراتيجية طموحة.

وربما كان كثيرون يعتقدون أن مشاهد ” لاجئي القوارب ” أصبحت تنتمي إلى ذاكرة شعوب بعيدة، قبل أن يستيقظ المغرب بدوره على صور آلاف المواطنين وهم يتدفقون، سباحة هذه المرة، نحو سبتة، في مشهد هز الرأي العام داخل البلاد وخارجها.

بين الفنيدق وسبتة لا تفصل سوى كيلومترات قليلة، لكن تلك المسافة الصغيرة بدت، في نظر كثير من الشباب، وكأنها تفصل بين واقعين مختلفين. من مدينة مغربية، في اتجاه أخرى ما تزال خاضعة للاحتلال الإسباني، رغم أن التاريخ والجغرافيا يرويان، كل بطريقته، انتماءها إلى المجال المغربي. غير أن للسياسة حساباتها التي لا تخضع دائما للمنطق.

اندفع آلاف المواطنين، من مختلف الأعمار، يتقدمهم الشباب نحو المجهول. لم يحملوا حقائب سفر، ولم يخططوا لرحلة سياحية، ولم تكن وراءهم حرب إبادة ولا كارثة طبيعية. كانوا يحملون شيئا واحدا فقط: شعورا ثقيلا بأن الشاطئ المقابل أو المجاور، مهما كان مجهولا، قد يكون أقل قسوة من الواقع الذي تركوه خلفهم.

وحين لفظ البحر أجساد من لم يبلغوا وجهتهم، لم يكن ذلك مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل تذكيرا بأن البحر ما زال يكتب تاريخ المقهورين بالحبر نفسه؛ الماء، والملح، والدموع.

غير أن اختزال ما جرى في كونه مجرد محاولة للهجرة غير النظامية، أو حادثا أمنيا عابرا، هو تبسيط لظاهرة أكثر تعقيدا. فما شهدته سبتة بدا أقرب إلى نزوح اجتماعي منه إلى هجرة بالمعنى التقليدي. فالهجرة، في أصلها، قرار فردي يبحث عن فرصة أفضل، أما النزوح فهو سلوك جماعي يعكس شعورا واسعا بأن المكان لم يعد قادرا على احتضان أحلام أبنائه.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. ليس كيف وصل هؤلاء إلى البحر، بل لماذا وصلوا إليه أصلا؟ ولماذا أصبح احتمال الغرق، عند بعضهم، أقل قسوة من يقين البقاء؟.

لماذا يدق الشباب جدران الخزان؟

سرعان ما استعادت السياسة لغتها المعتادة. انشغل الجميع بالحدود، وبالأمن، وبالتنسيق بين الرباط ومدريد، وبشبكات الهجرة غير النظامية، وبالمسؤوليات المتبادلة، وبإدارة الأزمة وتفسيرها. تعددت الروايات واختلفت القراءات؛ فإسبانيا قرأت الحدث من زاوية أمن الحدود، وأوروبا استحضرته في سياق حماية فضاء شنغن، بينما انشغلت وسائل الإعلام الدولية بمشاهد التدفق الجماعي أكثر من انشغالها بأسبابه.

غير أن سؤالا ظل معلقا فوق الأمواج، أكثر عمقا من كل البيانات والتصريحات: ما الذي يدفع آلاف الشباب إلى أن يراهنوا بحياتهم على موجة، بدل أن يراهنوا بها على وطنهم؟

هل كان الأمر مجرد اندفاع عاطفي غذته وسائل التواصل الاجتماعي، في صورة مما يسميه علماء الاجتماع ” السلوك الجمعي” أو “عدوى الحشود”؟ أم أن هذه العدوى نفسها لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت احتقانا كان يتراكم بصمت منذ سنوات؟ فالسلوك الجماعي، مهما بلغت قوته، لا يصنع من العدم، وإنما يجد دائما تربة نفسية واجتماعية مهيأة لاستقباله.

ولعل الأدب سبق السياسة، مرة أخرى، إلى طرح هذا السؤال.

في روايته الخالدة “رجال في الشمس”، لم يمت أبطال غسان كنفاني لأنهم أخطأوا الطريق، بل لأنهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاختباء داخل خزان حديدي لعبور الحدود. وحين فتح السائق الخزان ليجدهم جثثا هامدة، أطلق سؤاله الذي أصبح من أشهر الأسئلة في الأدب العربي: ” لماذا لم يدقوا جدران الخزان ؟ ”

كان ذلك السؤال، في جوهره، احتجاجا على الصمت أكثر مما كان احتجاجا على الموت.

أما اليوم، فيبدو أن المشهد انقلب رأسا على عقب. فهؤلاء الشباب لا يصمتون داخل الخزان، بل يدقون جدرانه بكل ما أوتوا من قوة. يدقونها بأجسادهم التي تلقي بنفسها في البحر، وبالصور التي تجوب العالم في ثوان، وبالرسائل الصامتة التي لا تحتاج إلى كلمات. إنهم لا يعلنون حربا على أوطانهم، ولا يتنكرون لانتمائهم إليها، وإنما يعلنون، بطريقتهم المأساوية، أن الثقة في المستقبل قد أصابها شرخ عميق.

فالنزوح أو الهجرة الجماعية ليست مجرد انتقال سكاني، بل هي أيضا لغة اجتماعية وسياسية. إنها اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته في قدرة المكان على احتضانه، فيمنح ثقته للبحر، رغم أنه يعلم أن البحر لا يمنح الوعود، بل يمنح الاحتمالات.

ولعل أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس عدد الذين حاولوا العبور، وإنما عدد الذين أصبحوا يعتقدون أن مستقبلهم يوجد خارج حدود الوطن. فحين تتحول الهجرة من قرار فردي إلى سلوك جماعي، فإن الأمر يتجاوز البحث عن فرصة عمل أو تحسين مستوى العيش، ليصبح مؤشرا على أزمة ثقة ينبغي التوقف عندها بكثير من المسؤولية.

وهنا يصبح من المشروع أن نطرح سؤال فاعلية السياسات العمومية في تحويل النمو الاقتصادي والمشاريع الكبرى إلى شعور يومي بالأمل لدى المواطنين. فقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، قدرة لافتة على إنجاز أوراش استراتيجية كبرى، من البنيات التحتية إلى المشاريع الصناعية والطاقية، وعزز حضوره الإقليمي والدولي بصورة غير مسبوقة. غير أن نجاح الدول لا يقاس فقط بحجم ما تشيده من طرق وموانئ ومناطق صناعية، بل أيضا بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن له مكانا داخل هذا البناء، وأن نصيبه من التنمية ليس وعدا مؤجلا، بل واقعا يلمسه في حياته اليومية.

كما أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة سؤال مؤسسات الوساطة السياسية والنقابية والمدنية، وهي المؤسسات التي يفترض أن تلتقط نبض المجتمع وتنقل مطالبه إلى دوائر القرار. فعندما تضعف هذه القنوات، تتسع المسافة بين الدولة والمجتمع، وتصبح وسائل التواصل الاجتماعي، بما تحمله من سرعة وتأثير، بديلا عن الفضاءات الطبيعية للتعبير والتأطير، وهو ما يجعل المجتمعات أكثر قابلية للتفاعل مع الدعوات المفاجئة والانفعالات الجماعية.

ولا يقل عن ذلك أهمية سؤال التواصل العمومي. ففي الأزمات الكبرى لا تنتظر المجتمعات القرارات وحدها، بل تنتظر أيضا خطابا يفسر ويطمئن ويقنع. وعندما يتأخر هذا الخطاب، أو يفتقد القدرة على مخاطبة الوجدان والعقل معا، تملأ الإشاعة فراغ المعلومة، ويصبح التأويل أقوى من الحقيقة، وتتحول منصات التواصل إلى المصدر الأول لتشكيل الرأي العام.

ولذلك، فإن ما شهدته سبتة ينبغي أن يقرأ بوصفه فرصة للمراجعة أكثر منه مناسبة لتبادل الاتهامات. فالدول القوية ليست تلك التي تنكر وجود الاختلالات، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بها، وتحويلها إلى منطلق للإصلاح. فالأزمات، مهما كانت قاسية، قد تتحول إلى لحظات تأسيس، إذا أُحسن الإصغاء إلى الرسائل التي تحملها.

بين رمزية التوقيت ورسالة الحدث

وفي خضم هذه المشاهد، تستحضر الذاكرة عبارة جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله «أنا لا أثق بالصدف، خصوصًا إذا كانت سياسية.” وهي عبارة لا تدعو إلى إطلاق الأحكام المسبقة، ولا إلى الارتماء في أحضان نظريات المؤامرة، بقدر ما تدعو إلى قراءة الأحداث في سياقاتها، لأن السياسة كثيرا ما تمنح للتوقيت دلالات لا تقل أهمية عن الوقائع نفسها.

ومن هذه الزاوية، يلفت الانتباه تزامن موجة النزوح الجماعي نحو سبتة مع احتفال المغاربة بعيد العرش، وهي المناسبة التي تجسد، منذ أكثر من ربع قرن، أسمى معاني الالتحام بين العرش والشعب، وتستحضر ما راكمه المغرب من إنجازات واستقرار في محيط إقليمي مضطرب.

ويكتسب هذا التزامن حساسية إضافية في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية، وفي وقت تواصل فيه الحكومة تقديم حصيلتها التي تدعي أنها حصيلة إيجابية. ولا يكفي هذا التزامن، بطبيعة الحال، لإثارة سؤال العلاقة سببية بين الوقائع، لكنه يطرح أسئلة سياسية وإعلامية مشروعة حول أثر الصورة في تشكيل الرأي العام، وحول الكيفية التي يمكن أن تستثمر بها مثل هذه المشاهد، داخليا وخارجيا، عندما تقع في لحظات وطنية ذات رمزية خاصة.

غير أن الأهم من كل ذلك هو ألا تتحول لحظة الألم إلى مناسبة لتبادل الاتهامات. فالأوطان لا تتقدم بتغليب منطق التبرير، كما لا تتقدم بمنطق جلد الذات، وإنما بالمصارحة الهادئة، وبالقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص للمراجعة والتصحيح.

لقد أثبت المغرب، خلال العقود الأخيرة، أنه قادر على إطلاق مشاريع كبرى، وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، وفرض نفسه شريكا موثوقا في محيطه الإفريقي والأوروبي والمتوسطي والدولي، غير أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تشيده من طرق سيارة، وموانئ، ومناطق صناعية، ومشاريع استراتيجية، وإنما أيضا بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأنه شريك في هذا النجاح، وأن له مكانا محفوظا داخل الوطن، وأن مستقبله لا يبدأ بالضرورة من الضفة الأخرى.

فالتنمية ليست أرقاما فقط، بل هي أيضا شعور بالكرامة، وإحساس بالإنصاف، وثقة في الغد. وعندما تتراجع هذه الثقة، تصبح كل الإنجازات، مهما كانت أهميتها، عاجزة عن إخماد شعور بعض الشباب بأن المستقبل يوجد في مكان آخر.

إن ما شهدته سبتة ليس مجرد أزمة حدود، بل هو دعوة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين التنمية والعدالة، وبين الإنجاز الاقتصادي والأمل الإنساني. فحماية الحدود تبدأ، قبل كل شيء، بحماية الثقة، لأن الحدود لا يمنعها البحر وحده، بل يمنعها أيضا اقتناع المواطن بأن وطنه هو أفضل مكان لتحقيق أحلامه.

ويبقى الدرس الأعمق الذي تمنحه لنا هذه الأحداث أن البحر لا يصنع المهاجرين، بل يستقبلهم فقط. أما الرحيل الحقيقي، فيبدأ قبل ذلك بكثير، حين يهاجر الأمل من النفوس، وحين يشعر الإنسان بأن المسافة بينه وبين الكرامة أصبحت أطول من المسافة بين شاطئين.

ولهذا، فإن السؤال الذي تركه لنا غسان كنفاني لا يزال حيا، لكنه عاد اليوم بصيغة مختلفة. فلم يعد السؤال: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” بل أصبح: كيف نجعل أبناء الوطن لا يشعرون أصلا بأنهم مضطرون إلى البحث عن خزان، أو عن قارب، أو عن بحر، ليعثروا على مستقبلهم؟

فالوطن لا يخسر حين يعبر أبناؤه البحر، بل يخسر حين يقتنع بعضهم بأن البحر صار أكثر رحمة من اليابسة. وعندما يصبح البحر مشروع حياة، بدل أن يكون مجرد أفق يطل عليه الناس، فإن الرسالة لم تعد موجهة إلى حرس الحدود، بل إلى كل من يعنيه أن يبقى الأمل راسخا في قلوب المواطنين.

وسيظل البحر يعيد إلى الشاطئ القوارب التي نجت، والجثث التي لم تنج، لكنه سيعيد معها، في كل مرة، السؤال ذاته: كيف نجعل الوطن هو الحلم، لا الضفة الأخرى؟ فحين يجد الإنسان كرامته في وطنه، لن يكون البحر طريقا للنجاة، بل سيعود إلى معناه الأول… أفقا للحياة، لا معبرا إليها.

The post حين يدق الوطن جدران الخزان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress