حين نزحت الذّاكرة: حكايات الكتب التي لم تنجُ من الحرب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يكن النزوح الذي فرضته الحرب الأخيرة مجرد انتقال قسري من منزل إلى ملجأ أو من قرية إلى مدينة أكثر أمناً. فإلى جانب نزوح البشر، شهد لبنان شكلاً آخر أقل ظهوراً وأكثر وجعاً هو "النزوح الثقافي". فمع القصف الذي طال الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، لم تُفقد المنازل والحقول فقط، بل ضاعت أيضاً مكتبات خاصة وعامة كانت تختزن ذاكرة أفراد وعائلات وأجيال كاملة.

 

في الحروب، يحمل الناس ما يستطيعون حمله من وثائق وأدوية وملابس، لكن أحداً لا يستطيع نقل آلاف الكتب أو إنقاذ مكتبة جُمعت على مدى عقود. هكذا وجدت مجموعات كاملة من الكتب والمخطوطات والطبعات النادرة نفسها تحت الركام أو بين ألسنة النيران، لتتحول خسارة النزوح من فقدان للمكان إلى فقدان للمعرفة والذاكرة.

 

بين هؤلاء عباس فقيه، صاحب مكتبة "فيلوسوفيا" الذي وجد نفسه فجأة أمام خسارة أكثر من 20 ألف كتاب احترقت داخل مستودع استهدفته غارة إسرائيلية في حارة حريك. لم تكن الكتب بالنسبة إليه مجرد بضاعة أو مصدر رزق، بل جزءاً من حياته وهويته. يصف ما جرى بأنه خسارة ثقافية قبل أن تكون مادية، وهي أشبه ما تكون على حد تعبيره بـ"إبادة جزء من الذاكرة والتاريخ". ويصف شعوره "كأنني خسرت صديقاً عزيزاً. عندما رأيت الكتب تحترق، شعرت كأنني أشاهد أحد أولادي يُفقد أمامي… فهي جزء مني".

 

كتبي التي لم تدافع عني

الوجع نفسه يرافق الشاعر محمد ناصر الدين الذي ورث شغف الكتب عن والده. فالمكتبة العائلية التي بدأت من "نملية" صغيرة تحولت مع الوقت إلى أرشيف ثقافي نادر يضم آلاف الكتب والطبعات الأولى. ومع القصف، احترق جزء من هذه الذاكرة، فيما تحول ما نُقل منها إلى منزل العائلة في الجنوب إلى ركام بعد استهدافه أيضاً. نحو خمسة آلاف كتاب اختفت تحت الأنقاض، يقول إن "هذا الحلم الجزئي الذي احتفظنا به في منزل الضيعة، تحوّل اليوم إلى ركام، وشعرتُ بأن هذه الكتب عاجزة عن الدفاع عن بيتي أو عني".

 

مكتبة فيلوسوفيا التي تضررت جراء القصف الإسرائيليفي حارة حريك في 14 آذار 2026 (النهار)

 

لكل شخص خسارته التي تُشبه رحلته في الحياة ووجعه. لم تكن خسارة الشاعر ناظم السيد أقل وطأة من سابقاتها، حيث خسر مكتبته التي كانت تضم نحو ثمانية آلاف كتاب ومخطوطات شخصية وأرشيفه الصحافي. فالكتب التي جمعها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، منذ طفولته التي عاش جزءاً منها نازحاً مع عائلته، كانت تمثل ذاكرته الشخصية وسيرته الثقافية. يعترف بأن "تدمير مكتبة منزلية ليس أقل من إبادة شخصية، مجزرة بحق شخص واحد بأصوات أمم وألسنة شعوب. أن تباد مكتبة شخصية ليس فعل مسح لذاكرة فرد فحسب، بل مقتلة". ما يشعر به اليوم يختصره بهذه العبارة "أنا الآن حرفياً "مقصوف العمر". أنا يتيم سنوات ميتة". 

 

هذه المكتبات العامة والخاصة شكّلت جزءاً من الهوية الثقافية ووجدت نفسها أيضاً مجبرة على الرحيل أو اختفت بالكامل. لم يعد النزوح يُقاس فقط بعدد النازحين أو المنازل المهدمة، بل أيضاً بما يُفقد من ذاكرة جماعية وثقافة محلية. فالحرب دفعت كثيرين إلى التأقلم مع واقع فُرض عليهم قسراً، لكنها تركت وراءها فراغاً يصعب تعويضه في البيوت، وفي المكتبات، وفي الحكايات التي كانت تحفظها رفوف الكتب.


    
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية