حياة بلا خصوصيّة: يوميّات مكشوفة في مراكز النّزوح
داخل قاعات مركز اللعازارية التي تؤوي عشرات العائلات، لا يفصل بين نحو 150 عائلة، أي ما يقارب الألف نازح، سوى شوادر أو بطانيات معلّقة داخل المساحة الواحدة. لكلّ طابق حكايته الخاصة ومعاناته المختلفة، وإن كانوا يجتمعون يومياً على موعد واحد لتسلّم وجبة الغداء عند الساعة الثالثة بعد الظهر. لكن ثمة شعوراً واحداً يجمع الكلّ "لا خصوصية في مراكز الإيواء".
طوابير الانتظار أمام الحمّامات، والاكتظاظ الخانق، وأصوات الأطفال التي لا تهدأ، وصعوبة العثور على زاوية صغيرة للجلوس أو قضاء ليلة هادئة... تفاصيل تبدو عادية في الظروف الطبيعية، لكنها تتحول في النزوح إلى ترفٍ بعيد المنال.
في الحروب، ثمة خسائر صامتة لا يُحكى عنها كثيراً، وفي مقدّمها خسارة الخصوصية. فآلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة داخل مدارس أو قاعات أو منازل مكتظة بالنازحين، اضطرت إلى إعادة تعريف أبسط تفاصيل الحياة اليومية؛ من النوم وتبديل الملابس، إلى الاستحمام وإجراء المكالمات الهاتفية، وصولاً إلى البحث عن لحظة عزلة قصيرة بعيداً عن أعين الآخرين.
هذا ما تؤكّده فاطمة، وهي نازحة ومتطوعة في مركز اللعازارية. تقول "عندما يصبح الاستحمام أو النوم أو حتى تبديل الملابس تحدياً يومياً، تتحول مقومات الحياة الأساسية إلى كماليات موقتة".

تعترف بأن الأيام الأولى للنزوح كانت من الأصعب على الجميع. فقد شهد المركز اكتظاظاً شديداً، ما كشف عن أزمة خفيّة لا تقلّ قسوة عن النزوح نفسه. وتوضح "لم تكن المشكلة في فقدان المنزل فقط، بل في الضغوط والتوترات الناتجة من العيش المشترك داخل مساحة واحدة. عائلات لا تعرف بعضها بعضاً وجدت نفسها مضطرة إلى تقاسم الغرفة نفسها والتكيّف مع واقع جديد فُرض عليها فجأة".
لكن أكثر ما شكّل مصدر ضغط نفسي للنازحين كان الحمّامات القليلة، والبعيدة نسبياً عن أماكن إقامتهم، مقارنةً بأعداد المقيمين داخل المركز.
تعترف فاطمة بأن "استخدام الحمّام، وهو أمر يبدو عادياً في الظروف الطبيعية، تحوّل إلى مصدر قلق دائم". في المركز خمسة حمّامات للنساء، وخمسة للرجال فقط، وكان على النازحين الانتظار في طوابير طويلة أو ترك كرسي لحجز دورهم، للحصول على فرصة للاستحمام.
ولم يكن تأمين دور للاستحمام هو التحدّي الوحيد الذي واجه النازحين. فإلى جانب الطوابير الطويلة، شكّل انقطاع المياه أحياناً وغياب المياه الساخنة أحياناً أخرى عقبات إضافية زادت من مشقّة الحياة اليومية داخل مراكز الإيواء.
تؤكد فاطمة أن المشكلة تتجاوز مسألة واحدة بعينها، قائلة "لا نتحدث عن تفصيل واحد، بل عن مجموعة من المقوّمات الأساسية التي فقدها الناس أو بات الحصول عليها يتطلب جهداً كبيراً. وأصبحت أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من الاستحمام إلى النوم والراحة، معركة صغيرة نخوضها كل يوم".
لا باب نُغلقه خلفنا
في منزلها، كانت روان (اسم مستعار حفاظاً على خصوصيتها كما طلبت) تبدأ يومها بهدوء. تُحضّر قهوتها في المطبخ، وتستحم متى تشاء، وتمارس تفاصيل حياتها اليومية من دون أن تفكر فيها كثيراً. لكنها منذ نزوحها مع عائلتها إلى أحد مراكز الإيواء إثر الحرب، تبدّل كل شيء. تقول "أصعب ما في النزوح أنك تفقد خصوصيتك بالكامل. لم يعد هناك باب نغلقه خلفنا".
بالنسبة إليها، أصبحت الحياة مكشوفة على الدوام. فالمساحة التي تعيش فيها تتقاسمها مع عائلتين أخريين، تضم تسعة أطفال إلى جانب الأزواج والبالغين، ما يجعل أي لحظة خاصة أمراً شبه مستحيل. وتضيف "تشعر كأن الجميع يعرف تفاصيل حياتك أو يراقبها. لا مكان يمكنك أن تنعزل فيه أو تحتفظ فيه بخصوصيتك".

وتستعيد بعضاً من أصعب اللحظات التي عاشتها خلال النزوح قائلة "كنا ننتظر في الطوابير ليحين دورنا للاستحمام؛ وفي إحدى المرات انتظرتُ أكثر من ساعة ونصف لأحمّم ابني. كان علينا أن نحجز مكاناً مسبقاً، وإلا فقدنا فرصتنا. لم أعد أستحم عندما أريد، بل عندما أتمكن من ذلك".
في بعض الأحيان، اضطرت روان إلى التوجه إلى منزل شقيقتها كي تتمكن هي وابنتها البالغة من العمر تسع سنوات من الاستحمام بعيداً عن الازدحام وطوابير الانتظار. وتستعيد إحدى أكثر اللحظات صعوبة خلال فترة النزوح موضحةً "اضطررت إلى تسخين المياه داخل الغرفة حتى أتمكن من تحميم أولادي".
لكن التحدي الأكبر بالنسبة إلى روان، كما لكثير من النساء النازحات، كان فقدان المساحة الخاصة. ففي غرف تضم عشرات الأشخاص، تتحول أمور بديهية كتبديل الملابس أو العناية بالنظافة الشخصية إلى مهام معقدة ومحرجة. وفق قولها "لم أعد أستطيع خلع حجابي أو تغيير ملابسي متى أشاء. عليّ أن أطلب من الموجودين إفساح المجال أو الانتظار حتى أجد لحظة مناسبة للصلاة أو تبديل ملابسي. تفاصيل بسيطة كانت عادية في السابق، لكنها أصبحت هاجساً يرافقني طوال الوقت".
في هذه البيئات المكتظَّة، الصوت عنصر إضافي من عناصر الضغط النفسي. لا نمط حياة منظم ولا انضباط، والفوضى تتحكم بالمشاعر كما السلوكيات، خاصة عند الأطفال. وهذا ما تتحدث به روان "أحياناً أضطر إلى الصراخ على ابني الذي يعاني فرط الحركة حتى يتمكن أطفال آخرون من النوم أو اللعب. لكل واحد نمطه ونظامه ولا يمكن ضبط كل شيء، وهذا الأمر تسبب لي بمشكلات كثيرة مع عائلات نازحة في المركز".
تكشف هذه الشهادات وجهاً آخر للنزوح غير مرئي. فعندما يفقد الإنسان الشعور بالأمان والسيطرة على أبسط تفاصيل الحياة، يصبح مكشوفاً أمام الآخرين.