حوادث الشغل تكشف اختلالات مقلقة في منظومة السلامة المهنية المغربية

بمناسبة تخليد اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل، الذي يوافق 28 أبريل من كل سنة، نبّه خبراء مواكبون إلى “ضعف الامتثال” للمقتضيات القانونية المغربية المؤطرة لهذه الحقوق، لا سيّما مدونة الشغل، مستحضرين “مؤشرات مقلقة على رأسها ضعف أطباء الشغل، واحتواء أقل من خمس المقاولات فقط على لجان السلامة وحفظ الصحة”.

“امتثال ضعيف”

اعتبر أمين سامي، خبير في التخطيط الاستراتيجي، أن “المشكل في ما يتعلّق بالعناية بالصحة والسلامة في بيئة العمل المغربية، ليس في غياب النصوص فقط، بل في ضعف الامتثال وهيمنة المقاولات الصغيرة جدا والقطاع غير المنظم”.

وقال سامي في تصريح لهسبريس: “في سنة 2018 سجلت أكثر من 50 ألف حادثة شغل بالمغرب، منها 756 وفاة، و13.208 حالات عجز مؤقت، و36.561 حالة عجز دائم، مع إقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بأن هذه الأرقام لا تعكس الحصيلة الحقيقية كاملة”.

واستحضر الخبير في التخطيط الاستراتيجي، ضمن معطيات المؤسسات نفسها، أن “فقط 17% من المقاولات المعنية تحدث لجان السلامة وحفظ الصحة، وعدد أطباء الشغل لا يتجاوز 1400 طبيب. وبالتالي هذا يؤكد أن التطبيق ما زال انتقائيا ويجب تقويته، خاصة في البناء، الفلاحة، المقاولات الصغرى والوحدات غير المنظمة”.

وبخصوص الوضع على المستوى الدولي، لفت سامي إلى أن “تقرير منظمة العمل الدولية لسنة 2026 يبين أن مفهوم السلامة لم يعد يقتصر على الحوادث الجسدية، بل أصبح يشمل المخاطر النفسية والاجتماعية؛ إذ تشير المنظمة إلى أن أكثر من 840 ألف وفاة سنويا ترتبط بضغوط العمل، وساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمن الوظيفي والتحرش المهني…”.

وشدد على أن “المغرب مطالب اليوم بالانتقال من منطق “التعويض بعد الحادث” إلى منطق “الوقاية قبل الخطر؛ فالتطبيق الصارم للقانون، وتقوية التفتيش، وتعميم طب الشغل، وإدماج الصحة النفسية المهنية، وحماية العمال في القطاع غير المنظم، والسلامة، ليست كلفة إضافية على المقاولة أو الإدارة، بل هي استثمار مباشر في الإنتاجية، الثقة، الاستقرار الاجتماعي، وجاذبية الاقتصاد الوطني”.

فجوة قائمة

قال هشام معروف، خبير في السياسات العمومية والحماية الاجتماعية: “رغم التقدم المسجل في هذا الصدد، فإن التحدي الحقيقي في المغرب ليس في غياب القوانين، بل في ضعف الالتقائية والنجاعة في التنفيذ”.

واعتبر معروف، في تصريح لهسبريس، أن “ثمة تقدما نسبيا على المستوى التشريعي والمؤسساتي”، موضحا أن “المغرب يتوفر على إطار قانوني ينظم الصحة والسلامة المهنية من خلال مدونة الشغل وبعض النصوص التنظيمية، فضلا عن أدوار وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”.

واستدرك بأنه “رغم ذلك، هناك فجوة بين النص والتطبيق، وثمة ضعف في آليات المراقبة والتفتيش، سواء من حيث الموارد البشرية أو الوسائل اللوجيستيكية”، فضلا عن “محدودية تفعيل لجان السلامة داخل المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة”.

وبخصوص الواقع المهني، سجّل معروف الخبير في السياسات العمومية والحماية الاجتماعية “استمرار تسجيل حوادث الشغل”، و”ارتفاع نسبة القطاع غير المهيكل، الذي يفتقر لأبسط شروط السلامة”، مع “ضعف الوقائية، حيث يغلب منطق الإنتاجية على حساب منطق السلامة”.

التحيين والتقييم

هشام معروف دعا إلى تفعيل سياسات وإجراءات عدة لتقوية الصحة والسلامة في بيئة العمل المغربية، على رأسها “تحيين النصوص القانونية لتواكب التحولات (العمل عن بعد، المخاطر النفسية)”، و”تشديد العقوبات على عدم احترام شروط السلامة”.

كما أكدّ على “تعزيز قدرات جهاز تفتيش الشغل” على جميع الأصعدة، و”تحسين التنسيق بين المتدخلين (الدولة، المقاولات، النقابات)”، مشددا على أنه “ينبغي تعميم الحماية الاجتماعية لتشمل العاملين في القطاع غير المهيكل، وإدماج الصحة والسلامة ضمن برامج السياسات الاجتماعية الكبرى”.

وعلى صعيد المقاولة، دافع معروف عن “إلزامية إحداث لجان السلامة والصحة المهنية”، و”اعتماد أنظمة تدبير المخاطر (مثل ISO 45001)”.

أما أمين سامي، فاقترح “تعميم تقييم سنوي مبسط للضغط المهني داخل الإدارات والمقاولات”، و”خلق مرصد وطني للصحة النفسية في العمل”، مع “فرض ‘ميثاق الحق في قطع الاتصال’ في القطاعين العام والخاص”.

وشدد سامي على “تطوير طب الشغل ليشمل الأخصائي النفسي المهني”، وربط السلامة المهنية بالجماعات الترابية وبرامج التنمية الترابية المندمجة.

The post حوادث الشغل تكشف اختلالات مقلقة في منظومة السلامة المهنية المغربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress