حميميم وطرطوس بعد الأسد... اتفاق يطوي صفحة النفوذ الروسي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حوّلت مذكرة التفاهم السورية–الروسية، وفق الصيغة المعلنة، حميميم وطرطوس من قاعدتين تستخدمهما موسكو إلى مركزَي تدريب وتأهيل مشتركين للجيش السوري. وبدأت المؤسسات السورية تسلّم المنشآت المدنية في مطار اللاذقية والرصيف التجاري الرابع في طرطوس، على أن تدخل الترتيبات العسكرية حيز التنفيذ خلال ثلاثة أشهر.

ينهي الاتفاق الوظيفة التي صنعت النفوذ الروسي منذ تدخل موسكو عام 2015 في الحرب السورية. فروسيا تبقى في علاقة سياسية وعسكرية مع دمشق، لكنها تفقد قدرة القاعدتين على تشغيل الطائرات والسفن بصورة مستقلة، والتدخل في المعادلة السورية، واستخدام الساحل للتأثير في شرق المتوسط.

 

من القاعدة إلى التدريب

 

منح اتفاق حميميم لعام 2015 روسيا استخداماً مجانياً وغير محدد المدة للمنشآت العسكرية، وحصانات واسعة لقواتها، ومنع السلطات السورية من دخولها من دون موافقة قائدها. وثبّت اتفاق طرطوس عام 2017 الوجود الروسي لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد 25 عاماً، مع إمكان استقبال 11 سفينة حربية.

تقلب المذكرة وظيفة الموقعين. فالإعلان الرسمي نقل إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية، وأعاد صياغة وظيفة المنشآت العسكرية كمراكز تدريب مشتركة. ولا يثبت ذلك أن دمشق تسلّمت السيطرة على المساحات العسكرية، إذ إن النص الكامل لم ينشر، ولم يتضح مصير الحصانات القديمة أو القيادة أو أعداد العسكريين الروس، ولا حق موسكو في إبقاء طائرات مقاتلة وسفن حربية.

ولا يحجب الغموض القانوني حجم التراجع السياسي. فحتى إذا احتفظت موسكو بمساحة خاصة أو بدور قيادي في التدريب، فإنها تنتقل من قوة تملك منصات لعمليات تخدم أهدافها إلى مدرّب بوظيفة محدودة مرتبطة باحتياجات الجيش السوري.

 

موسكو تدير خسارتها

 

بدأ تفكيك النفوذ الروسي بسقوط بشار الأسد. انسحبت القوات الروسية من المحافظات وحصرت وجودها في حميميم وجزء من طرطوس، وسحبت منظومات رئيسية منحت القاعدتين وزنهما القتالي. وخلال نحو 18 شهراً من المفاوضات، انتقلت موسكو إلى الحديث عن أدوار إنسانية ولوجستية و"إعادة صياغة" وظيفة منشآتها.

اختارت روسيا إدارة خسارتها من دون صدام مع الحكم الجديد. استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري أحمد الشرع مرتين، وحافظ الطرفان على قنواتهما رغم استضافة موسكو الأسد وكبار رجال نظامه. وقبل الاتفاق بأيام، عيّن بوتين ديميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً، خلفاً لألكسندر يفيموف الذي واكب مفاوضات القواعد مع الحكم الجديد.

ويمنح التغيير الديبلوماسي وجهاً جديداً للعلاقة بعد إعادة تعريف القاعدتين. كما يعلن قبول تحويلهما إلى مركزَي تدريب أن روسيا لن تستخدم وجودها العسكري للعودة إلى المشهد السوري أو حماية نفوذ رجال النظام السابق.

ولا يعوّض التدريب ما خسرته موسكو. فتركيا تتولى دوراً رئيسياً في تدريب الجيش وإعادة هيكلته، فيما أعلن رئيس شركة باكستانية حصولها على عقد لتزويد سوريا بأنظمة اتصال وقيادة وسيطرة بتمويل تركي–سعودي. تدخل سوريا بذلك مداراً جديداً بعد تحررها من الجذب الروسي، وتصبح روسيا، في أحسن الأحوال، شريكاً بين آخرين بعدما انفردت بالبنية العسكرية الأهم على الساحل.

 

بوتين يلتقي الشرع في الكرملين. (رويترز)

 

الساحل يخرج من الاحتكار الروسي

سبق الضغط التركي على الحضور البحري الروسي المذكرة. فمنذ حرب أوكرانيا، استخدمت أنقرة اتفاقية مونترو لإغلاق المضائق أمام سفن الدول المتحاربة، مقيّدة حركة القطع الروسية بين البحر الأسود والمتوسط وقدرة موسكو على تدويرها ودعم طرطوس.

وفي تموز/يوليو، انتقلت من التحكم بالممر إلى الحضور في الساحل نفسه، إذ وصل قائد بحريتها إلى اللاذقية على متن الفرقاطة "TCG Istanbul" مع سفن أخرى، والتقى نظيره السوري وتفقد الميناء العسكري، ضمن دعم تركي لإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية.

وقبل الاتفاق بخمسة أيام، أبلغت دمشق واشنطن استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بصورة كبيرة، بينما تحرك الكونغرس لدراسة تقليص النفوذ الروسي أو إخراج قوات موسكو من القاعدتين. تكشف الوقائع مساراً أوسع: موسكو تخسر أدوات عسكرية واقتصادية، وواشنطن توسع تأثيرها، وتركيا تتقدم نحو الجيش والساحل.

يعود الساحل من احتكار روسي استمر عقداً إلى ساحة مفتوحة على نفوذ دول عدة. المكسب السوري هو إنهاء حق قوة واحدة في استخدام المنشآت لعمليات تقررها وحدها، والنتيجة الإقليمية انتقال التنافس إلى أطراف أقدر اليوم من موسكو على تشكيل خيارات دمشق.

 

تركيا وإسرائيل بلا عازل روسي

 

دفعت إسرائيل واشنطن، بعد سقوط الأسد، إلى دعم بقاء القواعد الروسية، باعتبارها ثقلاً يحد من توسع تركيا. وضربت منشآت عسكرية درست أنقرة استخدامها، لمنع تمركز تركي يقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا.

يفقد هذا العازل وزنه بحصر الدور الروسي في التدريب. فموسكو، التي امتلكت طائرات ودفاعاً جوياً وقاعدة بحرية وتفاهمات مع أنقرة وتل أبيب، لا تستطيع من مركز تدريب فرض خطوط حمر أو تعديل ميزان القوة بينهما.

يطوي الاتفاق صيغة النفوذ العسكري التي دشّنها تدخل موسكو عام 2015. تبقى العلاقة مع موسكو ويبقى المدربون الروس، أما قدرتها على تقرير مسار الحرب السورية واستخدام سوريا للتأثير في المنطقة فتتفكك بهدوء. ويضع تراجعها تركيا وإسرائيل في احتكاك أكثر مباشرة على النفوذ داخل سوريا، فيما تحتفظ واشنطن بأدواتها من خارج القواعد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية