حكم تاريخي يهز وادي السيليكون: محاكمة "علم الكازينوهات" في "إنستغرام" و"يوتيوب"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

واجهت شركتا "ميتا" و"غوغل" واحدة من أبرز الهزائم القضائية في تاريخ صناعة التكنولوجيا، بعدما قضت هيئة محلفين في لوس أنجلس بمسؤوليتهما عن الأضرار النفسية التي لحقت بشابة أميركية نتيجة إدمانها منصّات التواصل الاجتماعي منذ طفولتها، في حكم قد يفتح الباب أمام آلاف الدعاوى القضائية المشابهة.

القضيّة، التي عُرفت باسم KGM ضد "ميتا" وآخرين، تُعد الأولى التي تُحمّل فيها منصّات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن تصميم منتجاتها، لا فقط عن المحتوى المنشور عليها.

واعتبرت هيئة المحلفين أن "إنستغرام" و"يوتيوب" صُمّما بطريقة تُبقي الأطفال والمراهقين مرتبطين بالشاشات لفترات طويلة، ما أدّى إلى آثار خطيرة على صحّتهم النفسية.

بطلة القضيّة هي كالي، التي بدأت استخدام "يوتيوب" في السادسة من عمرها و"إنستغرام" في التاسعة. ومع مرور الوقت، تحوّلت المنصّات إلى جزء أساسي من حياتها اليومية، حتى أصبحت تقضي ساعات طويلة في تصفّحها، الأمر الذي أدّى إلى إصابتها باضطراب تشوّه صورة الجسد والاكتئاب والقلق، إلى جانب إيذاء نفسها وهي في العاشرة من عمرها.

وفي شهادتها أمام المحكمة، قالت كالي إنها كانت تستخدم "إنستغرام" منذ لحظة استيقاظها حتى النوم، حتى أثناء الحصص الدراسية، مؤكدة أنها أصبحت تخشى فقدان هاتفها أكثر من أيّ شيء آخر، وعانت أعراض انسحاب عندما حاولت والدتها الحدّ من استخدامها للتطبيقات.

 

صورة لانيير من تصوير: غاريث إيوان جونز/ذا غارديان

 

قاد فريق الادّعاء المحامي الأميركي الشهير مارك لانير، المعروف بانتصاراته السابقة في قضايا ضد شركات الأدوية الكبرى.

واعتمد لانير على الذكاء الاصطناعي بطريقة غير مسبوقة خلال المحاكمة، إذ استعان بنظام مخصّص يجمع قدرات عدة نماذج، بينها "شات جي بي تي" و"كلود" و"جيميني"، لإنشاء نماذج افتراضية لهيئة المحلفين تساعده على اختبار حججه القانونية وتحليل ردود أفعالهم المحتملة بعد كل جلسة.

"علم الكازينوهات"

وكشفت المحاكمة ملايين الصفحات من الوثائق الداخلية التي سلّمتها "ميتا" و"غوغل"، إضافة إلى مستندات سرّبها موظفون سابقون. وأظهرت الوثائق أن الشركات درست ما وصفه الادّعاء بـ"علم الكازينوهات"، وهو أسلوب يعتمد على المكافآت غير المتوقعة لإبقاء المستخدمين متصلين بالتطبيقات، بطريقة تشبه عمل آلات القمار.

وأظهرت إحدى الوثائق الصادرة عن "غوغل" عام 2012 أن هدف "يوتيوب" لم يكن زيادة المشاهدات فقط، بل "إدمان المشاهدين"، فيما وصفت وثيقة أخرى منتجات الشركة بأنها "آلات قمار".

وكشفت مستندات أخرى أن "ميتا" كانت تدرك أن المراهقات اللواتي يعانين مشكلات نفسية أو ينحدرن من بيئات اجتماعية واقتصادية صعبة يكنّ أكثر عرضة لتدهور صحّتهن النفسية مع الاستخدام المكثف لـ"إنستغرام". وتضمنت الوثائق أيضاً عبارة تقول: "إذا أردنا الفوز بالمراهقين، فعلينا جذبهم منذ ما قبل سن المراهقة".

ولم تقتصر الاتهامات على تصميم الخوارزميات، بل شملت أيضاً ما يُعرف بـ"الأنماط المظلمة"، وهي تصاميم تجعل أدوات الحماية والرقابة الأبوية صعبة الوصول أو معطلة افتراضياً، بما يصعّب على الأهالي الحد من استخدام أطفالهم للمنصّات.

وخلال المحاكمة، مثل الرئيس التنفيذي لـ"ميتا" مارك زوكربيرغ أمام هيئة المحلفين. وواجهه الادعاء بوثائق داخلية تشير إلى أن ثلث الأطفال الأميركيين بين 10 و12 عاماً كانوا يستخدمون "إنستغرام" عام 2015، رغم أن الحد الأدنى المسموح به لإنشاء الحسابات هو 13 عاماً. وعُرضت رسالة إلكترونية تؤكد أن "أولوية الشركة هي المراهقون".

وفي نهاية المحاكمة، قضت هيئة المحلفين بإلزام "ميتا" و"غوغل" بدفع ستة ملايين دولار، بعد اعتبار أن الشركتين تصرفتا "بسوء نيّة أو احتيال". وستتحمّل "ميتا" 70% من قيمة التعويض، فيما تتحمّل "غوغل" النسبة الباقية.

ورغم أن الحكم لا يزال خاضعاً للاستئناف، يرى مراقبون أنه قد يشكل نقطة تحوّل في مساءلة شركات التكنولوجيا، إذ يجري حالياً الإعداد لأكثر من ألفي دعوى مشابهة تتهم منصّات التواصل الاجتماعي بالإضرار بالصحّة النفسية للأطفال عبر تصاميم تستهدف زيادة التعلق والإدمان.

ويؤكد لانير أن القضيّة لا تستهدف وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، بل نماذج الأعمال التي تعتمد على إبقاء المستخدمين، خصوصاً الأطفال، متصلين لأطول فترة ممكنة. ويقول إن الشركات لن تغيّر هذه النماذج طوعاً، بل فقط إذا أُجبرت على ذلك عبر القضاء.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية