حقوق المؤلف بالمغرب.. آليات جديدة للحماية في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي
في عصر التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تعيد رسم معالم الإبداع، تشهد حقوق المؤلف في المغرب تحولا عميقا. ففي ظل بروز أعمال هجينة تدمج بشكل خاص الذكاء الاصطناعي، تجد الأطر القانونية التقليدية نفسها في مواجهة نماذج حماية جديدة.
وقد أضحى هذا التحول يضع مفاهيم الأصالة والاقتباس محل تساؤل، مما يجعل التشريع الحالي أمام تحدي منظومة رقمية في تحول مستمر.
هذا التحول، بات يعيد تعريف مفهوم المبدع، الذي أصبح فاعلا في سوق يهيمن عليها اللامادي. كما أن ظهور أصول جديدة، مثل الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) والأعمال الموثقة بواسطة تقنية “البلوكشين”، يوفر للفنانين أدوات غير مسبوقة للتتبع والسيادة الرقمية. ويستلزم هذا التطور حماية موسعة لأشكال الملكية الهجينة، لا سيما تلك التي تدمج الذكاء الاصطناعي، حيث يظل التحدي الأكبر هو تأمين البصمة البشرية في مواجهة الأتمتة. وبالنسبة للمواهب الوطنية، يكمن الرهان في تحويل هذه الابتكارات إلى آليات مستدامة للمكافأة داخل منظومة معولمة.
إطار قانوني جديد للأشكال الإبداعية الجديدة
تؤكد المديرة بالنيابة للمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، دلال المحمدي العلوي، أنه في ظل تطورات الإطار القانوني المنظم لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ولا سيما التعديلات التي أدخلت على القانون رقم 2.00، فإن الدينامية الحالية لم تعد تقتصر على ظهور أشكال جديدة للإبداع، بل باتت تمتد لتشمل توسيع نطاق الحقوق التي تدخل ضمن التدبير الجماعي.
وأبرزت، في هذا الصدد، الجهود التي يبذلها المكتب من أجل إرساء الشروط القانونية والتنظيمية اللازمة لتدبير حق التتبع لفائدة مبدعي الفنون التشكيلية والبصرية، مما يتيح لهم تحصيل نسبة مئوية من ناتج إعادة بيع أعمالهم في السوق.
علاوة على ذلك، أشارت المسؤولة إلى أنه يتم إيلاء اهتمام خاص لتنفيذ المقتضيات المتعلقة بإعادة الإنتاج التصويري، وذلك لتمكين مؤلفي وناشري الكتب، وكذا الصحفيين المهنيين والمقاولات الصحفية، من الاستفادة الكاملة من حقوقهم المرتبطة بإعادة إنتاج منشوراتهم.
ووفقا للمحمدي العلوي، فإن هذا التوجه يترجم إرادة أكيدة لتوسيع مجالات التدبير الجماعي لتشمل فئات جديدة من الحقوق، من خلال مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع الإبداعي وتعزيز حماية مختلف فئات ذوي الحقوق.
التحديات الرقمية الجديدة
وأفادت المديرة بالنيابة للمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بأن التطورات التكنولوجية، وخاصة الذكاء الاصطناعي، تثير تحديات غير مسبوقة بالنسبة لحقوق المؤلف، لا سيما في ما يتعلق بالتعريف الدقيق لـ “المؤلف”، واستخدام الأعمال المحمية لتدريب الأنظمة الذكية، وكذا انتشار الاستغلال غير المشروع على المنصات الرقمية.
وأضافت أن الأمر يتعلق أيضا بتقنيات البث غير المرخص والقرصنة الرقمية، لا سيما في القطاع السمعي البصري، والتي تطرح تحديات قانونية وتقنية معقدة.
وفي هذا الإطار، لاحظت المحمدي العلوي أن آليات البصمة الرقمية تشكل أداة أساسية لتتبع وحماية الأعمال الابداعية، رغم أنها تظل غير كافية بمفردها، داعية إلى مقاربة شاملة ترتكز على ملاءمة الإطار القانوني، وتعزيز التعاون مع الفاعلين في المجال الرقمي، وتكثيف جهود التوعية والزجر.
وفي ما يتعلق بإجراءات التصريح بالأعمال الإبداعية، أكدت المحمدي العلوي أنها مؤطرة بمجموعة من القواعد العامة الموحدة، مع مراعاة الخصوصيات المتعلقة بكل فئة.
وأوضحت أن الإبداعات الموسيقية والدرامية والأدبية، وكذا الخدمات والإنتاجات، تتطلب وثائق للإثبات تختلف حسب طبيعتها، مضيفة أن المكتب يحرص على تبسيط هذه المساطر وتوحيد إجراءات المعالجة قدر الإمكان لتسهيل ولوج المرتفقين إليها.
دينامية إيجابية تستوجب الدعم
بشكل عام، يعرف قطاع حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في المغرب تطورا ملموسا، سواء على المستوى القانوني أو على مستوى الممارسات. وحسب المديرة بالنيابة للمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فإن السنوات الأخيرة تميزت بدينامية إيجابية اتسمت بارتفاع الانخراطات والتصريح بالأعمال الابداعية والخدمات والإنتاجات.
كما أشارت إلى تحسن مؤشرات التحصيل وتوزيع الحقوق، مما يعكس ثقة متزايدة لدى المبدعين في آليات التدبير الجماعي ووعيا متناميا بأهمية حماية الأعمال.
ومع ذلك، سجلت المحمدي العلوي أن بعض الصعوبات ما تزال قائمة، مشيرة إلى الاستغلال غير المشروع للأعمال الابداعية وعدم أداء العائدات القانونية من قبل بعض المستغلين المؤسساتيين، داعية إلى مواصلة جهود التوعية وتعزيز الآليات القانونية والتقنية.
وخلصت المسؤولة إلى أن هناك حاجة لمزيد من الجهود الإضافية لترسيخ ثقافة الحماية القانونية، خاصة لدى المبدعين الشباب.