حصاد أمّة الإسلام من العام 1447هـ (1)

قد يكون من المناسب ونحن نعيش الأيام الأخيرة من العام 1447هـ، أن نخطّ أسطرا يمتزج فيها الألم بالأمل؛ ألم لما حلّ بالأمّة وعاشه المسلمون في هذا العام، وأمل في أن يكون العام الجديد عاما فيه تغاث الأمّة وتنقشع عنها غمامة الذلّ والهوان.. وهكذا ينبغي أن نظلّ دائما نعيش واقع أمّتنا في كلّ عام، نتألّم بكلّ بلية وكلّ نكبة تمرّ، ونفرح لكلّ بادرة أمل وعزّ -مهما بدت للمتشائمين صغيرة خافتة- تبشّر بقادم أفضل. وعيوننا نحو الأفق ترقب ذلك الوعد الحقّ الذي كتبه الله في كتابه: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون)).
حين ننظر إلى واقع أمّتنا ومدى التخلف الذي ترزخ فيه والضعف الذي تكابده، ونقارن ذلك بما أحرزه الأعداء من قوة وما بلغوه من تقدم؛ ربّما نصاب باليأس والإحباط. لكنّنا حين نعود بأبصارنا لنرمق تلك القلة المؤمنة الصابرة على الحقّ في أرض الإسراء، المصرّة على مواجهة المحتلّ نيابة عن الأمّة رغم قلة ذات اليد ورغم تكالب الأعداء وخذلان الإخوة والأصدقاء، ونرى كيف أنّ دولة مسلمة واحدة صمدت في وجه أعتى قوى العالم رغم الحصار والتآمر؛ يحدونا الأمل في قادم يقلب الموازين ويدهش العالمين، ويذكّر الأواخر بما فعله الله بالأوائل. ((أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِين)).
في بدايات الإسلام الأولى، عانى بلال بن رباح، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود، وصهيب الرومي، وآخرون غيرهم، من بطش أبي جهل وزبانيته ما لا طاقة لهم به، حتى شكا بعضهم إلى النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قائلا: “يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟”.. ولم تمرّ 15 سنة حتى كان الواحد منهم يضع قدمه على رأس أبي جهل في بدر!
في عام الأحزاب، السنة الخامسة للهجرة، وبينما كان المسلمون محاصرين في المدينة، بين جيوش تملأ الأفق من كثرتها بحدها وحديدها، وبين يهود خائنين في الطرف الآخر، ومنافقين بين الصفوف يبثّون الوهن ويمالئون الأعداء، حتى كان الواحد من الصحابة لا يقدر على أن يغادر مكانه أمام الخندق ليقضي حاجته.. في تلك اللحظات العصيبة، يرتفع صوت النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- مبشرا المحاصَرين: “اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشامِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ. اللهُ أكبرُ، أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ. اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ”.. وفعلا، لم تمرّ سوى 3 سنوات حتى فتحت اليمن، ولم تمضِ بعدها 4 سنوات حتى فتحت بلاد الروم، لتفتح بلاد فارس سنتان بعدها.
هذا العام الذي يتهيأ للرحيل، كان عاما عسيرا على أمّة الإسلام، مثخنا بجراح وآلام المسلمين.. استمرّت فيه مأساة إخواننا المسلمين في غزّة، وتطاولت معاناتهم في الخيام المحاصرة، واستمرّ العدوّ الصهيونيّ في خرق وقف إطلاق النار، وظلّ يقصف كيفما وحيثما شاء، على مرأى ومسمع من الدول والهيئات التي ضمنت وقف إطلاق النار قبل 8 أشهر من الآن، وقد تجاوز تعداد الشهداء في هذه الأشهر الثمانية 980 شهيدٍ.
في هذا العام، استشهد عدد من قادة المقاومة في أرض العزّة غزّة، وكان من أبرزهم حبيب الأمّة أبو عبيدةَ تقبّله الله، الذي قضى نحبه قبل 9 أشهر، في الحادية والأربعين من عمره، في ساحة الوغى، مقبلا غير مدبر، مجاهدا بسلاحه، وبكلماته التي كانت أفتك بالأعداء وأوليائه من السلاح وألقى الله لها القبول في قلوب المسلمين جميعا.. سقط شهيدا بحي الرمال بغزة وعُرف اسمه ولقبه “حذيفة الكحلوت”، وأخزى الله المنافقين الذين طالما زعموا –كذبا- أنّ أبا عبيدة كان يلقي خطاباته من استديوهات في تركيا أو قطر.. وبعد استشهاده ظهرت له صور وهو يحمل سلاحه بين المجاهدين في الأرض المباركة، وأخزى الله مرجفين زعموا أنّ أبا عبيدة كان يختبئ في الأنفاق.. كما نُشرت له صور يبدو فيها جسده نحيلا بسبب الجوع والتعب؛ كان يجوع كما يجوع المحاصرون ويعاني ما يعانيه المحرومون، وأخزى الله المنافقين الذين زعموا كذبا أنّ أبا عبيدة وقادة القسّام يأكلون من شتى صنوف الطّعام بينما يموت أطفال غزّة جوعا.
استشهد الملثّم بعد أن ترك خلفه رسالة يفترض أن تكتبها الأمّة بدموع رجالها ونسائها، يقول فيها: “يا قادة الأمة الإسلامية والعربية، ويا نُخَبها وأحزابها الكبيرة، ويا علماءها، أنتم خصومنا أمام الله -عز وجل-، أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل ثكلى وكل نازح ومشرد.. إن رقابكم مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خُذلوا بصمتكم، وإن هذا العدو المجرم النازي لم يكن ليرتكب هذه الإبادة على مسمعكم ومرآكم إلا وقد أَمِن العقوبة وضمن الصمت واشترى الخذلان. لا نعفي أحدا من مسؤولية هذا الدم النازف، ولا نستثني أحدا ممن يملك التحرك، كل بحسب قدرته وتأثيره”.. هذه الرسالة التي قلّ مثيلها في تاريخ الأمّة، يفترض أن يحفظها أبناء الأمّة، ليكونوا شهودا على الخذلان الذي واجهت به الأمة مرابطيها وأبناءها في قطاع العزّة.
في هذا العام 1447هـ، أيضا، سقط في ميدان الشرف قادة آخرون من المجاهدين في أرض الرّباط، بينهم عز الدين الحدّاد، محمّد شبانة، ورائد سعد، حَكم العيسي، تقبّلهم الله جميعا في الشهداء السّعداء.. كما سقط في ساحات العزّ عدد من أبناء قادة المقاومة وأهليهم، بينهم أبناء خليل الحية قائد حركة حماس، كما استشهد أفراد من أسرة القيادي سامي أبو زهري، تقبّلهم الله جميعا، وفي استشهادهم على أرض غزّة رسالة كتبت بالدماء لتلجم المرجفين الجبناء الذين يتّهمون قادة المقاومة الإسلامية بأنّهم يعيشون مع أبنائهم في فنادق قطر وتركيا، ويتركون الشعب الأعزل يطحن في غزّة.
المرجفون الذين لم يكتفوا بهذه الاتّهامات، حتى أضافوا إليها تهمة أخرى كاذبة خاطئة، هي أنّ قادة المقاومة يسرقون أموال التبرّعات التي توجّه إلى غزّة! وقد فضح الله كذب المفترين وكشف ما في نفوسهم من أضغان لخيرة الأمّة ورجالها، وتبيّن للأمّة أنّ هؤلاء الذين يكذبون على رجال الأمّة المرابطين ما هم إلا تلامذة في مدرسة عبد الله بن أبي بن سلول التي كان من أهمّ مقرراتها الطّعن في المجاهدين ووصفهم بأنّهم جبناء وأصحاب بطون: “ما نرى قراءنا هؤلاء إلا أرغب بطونا وأجبن عند اللقاء”!.
في هذا العام، أيضا، شنّ الصهاينة وأولياؤهم الأمريكان، حربا ظالمة جائرة على المسلمين في إيران ولبنان، استخدم فيها الأمريكان قواعدهم في بلاد المسلمين، واستباحوا –مع الصهاينة- أجواء المسلمين، لقتل ما لا يقلّ عن 3000 مسلم في إيران، و3000 آلاف مسلم آخرين في لبنان! لتشهد الأمّة نكبة أخرى من أخزى نكبات تاريخها؛ مسلمون في بلاد الإسلام يعترضون الصّواريخ والطّائرات المسيّرة حينما تكون متّجهة من إيران إلى الصّهاينة، ويغضّون أبصارهم وأسماعهم عنها حينما تكون متّجهة من الصّهاينة إلى إيران!
نعم، إيران دولة طائفية، أخطأت كثيرا في حقّ بعض المسلمين، ومذهبها لا نشكّ في بطلانه، لكنّها في البداية والنهاية دولة مسلمة، وهي واحدة من الدول الـ57 في منظّمة المؤتمر الإسلاميّ، ومهما أخطأت في حقّ المسلمين، فإنّ نصرتها ضدّ الكافرين واجبة على المسلمين، ويحرم التعاون مع الصهاينة والصليبيين ضدّها.
ومع الخذلان الذي عانته إيران من المسلمين، مضافا إلى حصار دام 47 سنة، إلا أنّها استطاعت أن تفتّ في عضد الأمريكان والصهاينة، وأربكت خطط قادة الكيان والأمريكان، وأدخلت الرعب في قلوب المستوطنين وفي قلوب جند أمريكا الرابضين في بعض بلاد المسلمين، كما استطاعت أن تسقط طائرات وتدمّر أسلحة أمريكية ما كان الأمريكان يحسبون أنّ سلاحا على وجه الأرض سيطالها!
هذه دولة مسلمة واحدة استطاعت أن تصمد في وجه التحالف الصهيو-أمريكيّ، كيف لو تعاونت دول المسلمين جميعا وقالت بلسان الحال والمقال: “كلّ طائرة تَقصِف غزّة، فهي قد قصفت مكّة والمدينة، وكلّ صاروخ ينزل على إيران أو لبنان، فهو كما لو أنّه نزل على القاهرة أو الرياض أو عمان”؟
يُتبع بإذن الله…
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post حصاد أمّة الإسلام من العام 1447هـ (1) appeared first on الشروق أونلاين.