"حزب الله" يهدّد الداخل اللبناني بـ90% من قدراته القتالية... وإيران تواجه العرب أكثر مما تواجه إسرائيل!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي

 

 

لم يعد اللبنانيون أمام مجرد مواقف سياسية متشنّجة تصدر عن بعض مسؤولي "حزب الله"، بل أمام خطاب خطير يحمل في طياته تهديداً واضحاً للسلم الأهلي اللبناني، ويكشف حجم الأزمة التي يعيشها الحزب ومحوره الإقليمي. ففي كل محطة، يحاول البعض إقناع نفسه بأن داخل الحزب أصواتاً عاقلة تدرك خطورة الانهيار الذي وصل إليه لبنان، لكن الوقائع والتصريحات المتلاحقة تؤكد العكس: القرار الحقيقي لايزال مرتبطًا بالمشروع الإيراني، لا بالمصلحة اللبنانية.
التصريحات الأخيرة لمحمود قماطي ليست زلّة لسان، بل تعبير صريح عن عقليةٍ سياسية وأمنية ترى في الدولة اللبنانية خصماً، وفي أي محاولة لبناء دولةٍ فعلية تهديداً مباشراً لنفوذ الحزب وسلاحه. فعندما يصف حكومة نواف سلام بأنها "حكومة فيشي" ويطالب بإسقاطها، فهو لا يهاجم خصوماً سياسيين فحسب، بل يضرب ما تبقى من مؤسسات الدولة وهيبتها، رغم أنّ الحزب نفسه ممثَّل داخل الحكومة بوزراء. أي منطق سياسي هذا الذي يشارك في السلطة ويهاجمها في الوقت نفسه؟ وأي ازدواجية أخطر من أن يستفيد الحزب من مؤسسات الدولة، فيما يعمل في المقابل على تقويضها؟
الأخطر من ذلك كان التلميح المباشر إلى المؤسسة العسكرية. فحين يجري الحديث عن مواجهة أي لواء في الجيش اللبناني قد يتحرك في ملف السلاح غير الشرعي، فهذا يعني عملياً وضع الجيش أمام معادلة خطيرة: إما الخضوع للأمر الواقع، وإما مواجهة تهديد داخلي مسلح. وهنا تصبح المسألة أبعد من سجال سياسي، لتتحول إلى تهديدٍ مباشر لفكرة الدولة نفسها. فالجيش اللبناني ليس ميليشيا، بل هو المؤسسة الوطنية الجامعة التي لاتزال تحظى بثقة اللبنانيين رغم كل الانقسامات. وأي تهديد له هو تهديد للاستقرار الوطني ولما تبقى من وحدة داخلية.
لكن التصريح الأخطر، والأكثر دلالة، هو القول إن 10% فقط من قدرات الحزب تقاتل إسرائيل، بينما 90% "بانتظار الأمر". هذا الكلام لا يمكن تفسيره إلا باعتباره رسالة ترهيب داخلية موجهة إلى اللبنانيين أولاً، وإلى الدولة ثانياً. فإذا كانت غالبية القوة العسكرية للحزب ليست مخصصة لمواجهة إسرائيل، فلمن هي إذن؟ هل المقصود أنّ السلاح موجّه إلى الداخل اللبناني ساعة الحاجة؟ وهل المطلوب تذكير اللبنانيين بالحرب الأهلية كلما ارتفع صوت يطالب بقيام الدولة وحصر السلاح بيد الشرعية؟
إنّ اللبنانيين الذين فتحوا بيوتهم للنازحين، واحتضنوا بيئات مختلفة رغم الجروح والانقسامات، لا يمكن أن يُكافأوا بالتهديد والتخوين. أهل جبل لبنان والشمال وبيروت وصيدا والبقاع، الذين تعاملوا مع الأزمة الإنسانية بروحٍ وطنية، يسمعون اليوم خطاباً يوحي أن السلاح حاضر للداخل أكثر مما هو حاضر للحدود الجنوبية. وهذا في ذاته تحوّل خطير في وظيفة هذا السلاح وخطابه.
الواقع أنّ هذا النوع من التصريحات يعكس حالة ارتباكٍ يعيشها المحور الإيراني بأكمله، من إيران إلى أذرعها في المنطقة. فعندما يفشل المشروع في تحقيق إنجازات سياسية أو عسكرية، يلجأ إلى لغة التخوين والتهديد والتصعيد الداخلي. وهذه ليست ظاهرة لبنانية فحسب، بل نموذج متكرر في أكثر من ساحة عربية. فإيران التي ترفع شعار "المقاومة" لم تتردد في توجيه غالبية صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو دولٍ عربية، من السعودية إلى الامارات وقطر وغيرها من دول الجوار ، بينما بقيت المواجهة المباشرة مع إسرائيل محكومةً بحسابات دقيقة جداً تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
ومن هنا، يشعر كثيرون من العرب أن المشروع الإيراني بات أقرب إلى مشروع نفوذٍ إقليمي منه إلى "مشروع تحرير". فالساحات العربية التي دخلتها إيران تحولت إلى ساحات انقسام وفوضى وصراعات داخلية، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وفي كل مرة، يُرفع شعار "المقاومة" لتبرير السلاح الخارج عن الدولة، ثم يُستخدم هذا السلاح في السياسة والضغط الداخلي وتغيير موازين القوى المحلية.
أما في لبنان، فإنّ الأزمة لم تعد مرتبطة بالسلاح فحسب، بل بالعقلية التي تعتبر أي رأي مخالف "خيانة"، وأي مطالبة بالدولة "مؤامرة"، وأي دعوة الى حصر القرار العسكري بالمؤسسات الشرعية "استهدافاً للمقاومة". وهكذا يُمنع اللبنانيون من مناقشة مستقبل بلدهم بحرية، تحت ضغط التخوين والترهيب المعنوي والسياسي، وأحياناً الأمني.
المفارقة أنّ هذا الخطاب يأتي فيما يعيش لبنان أسوأ أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. اللبناني يريد دولة، كهرباء، قضاءً مستقلاً، استقراراً إقتصادياً، فرص عمل، وعلاقات طبيعية مع العالم العربي والمجتمع الدولي. لكنه يجد نفسه مرة جديدة أمام خطاب الحرب والتهديد واستحضار القوة العسكرية في الداخل، بدل أي مشروع إنقاذٍ حقيقي.
إنّ حماية لبنان لا تكون بتهديد اللبنانيين، ولا بتخوين الدولة ومؤسساتها، ولا بجعل السلاح أداة ضغطٍ داخلية. حماية لبنان تبدأ بقيام دولة قوية عادلة، يكون فيها الجيش وحده صاحب القرار الأمني والعسكري، وتكون فيها السياسة قائمة على الحوار لا على فائض القوة. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا تستقر بالسلاح المنفلت، بل بالشرعية الوطنية الجامعة.

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية