"حزب الله" وجمهوره الشيعي في لبنان... من فائض القوة إلى معضلة الاندماج الوطني والعربي
نزيه الخياط*
في العلوم السياسية، غالباً ما تُقاس قوة الفاعلين السياسيين والعسكريين بحجم النفوذ الذي يحققونه داخل الدولة أو في الإقليم، وبقدرتهم على التأثير في موازين القوى. غير أن هذا المنظور يبقى منقوصاً إذا لم يُقترن بسؤال أعمق يتعلق بما تتركه هذه التحولات من آثار طويلة المدى على البنى الاجتماعية التي تحتضن هذه الفواعل، وعلى أنماط الاندماج الوطني والعلاقات الإقليمية.
من هذه الزاوية، لا يسعى هذا المقال إلى إعادة إنتاج الجدل التقليدي حول سلاح "حزب الله"، بل إلى مقاربة سؤالٍ مختلف: كيف انعكست الخيارات الإقليمية للحزب على جمهوره الشيعي في لبنان، وعلى علاقته بالدولة اللبنانية والمحيط العربي الذي شكّل تاريخياً فضاءه الاقتصادي والاجتماعي الأوسع؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه ينقل النقاش من السياسة الآنية إلى التحليل البنيوي الطويل المدى، بحيث تتحول القرارات الاستراتيجية مع الزمن إلى أنماطٍ من الذاكرة والثقة والفرص الاقتصادية التي تمتد آثارها عبر الأجيال.
أولاً: التمييز بين الحزب والطائفة
يشكل التمييز بين الحزب والجماعة الاجتماعية شرطاً أساسياً لأي تحليلٍ متوازن. فالشيعة اللبنانيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، بل بيئة اجتماعية متعددة الاتجاه.
ويمكن تمييز ثلاث دوائر رئيسية داخلها:
• جمهور مؤيد للمشروع السياسي والعسكري للحزب.
• جمهور براغماتي يتقاطع معه في بعض الملفات من دون تبنٍّ كامل.
• جمهور نقدي يرى أن التكلفة السياسية والاقتصادية للتموضع الإقليمي باتت مرتفعة.
هذا التعدد يضعف فرضية التطابق بين الحزب وبيئته الاجتماعية، ويؤكد أن العلاقة بينهما علاقة تفاعل وتأثير متبادل أكثر مما هي علاقة تماثل كامل.
ثانياً: من المقاومة إلى التحول الإقليمي وأزمة الشرعية الوطنية
ارتبط صعود "حزب الله" عربياً بدوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً بعد عام 2000 وحرب 2006، ما منحه حضوراً رمزياً واسعاً داخل لبنان وخارجه. لكن المرحلة اللاحقة شهدت انتقاله التدريجي إلى دورٍ إقليمي منخرط في صراعاتٍ وتحالفات في المشرق العربي، ما أعاد رسم صورته خارج إطار المواجهة مع إسرائيل وحدها، وأدخله في شبكة توازنات أكثر تعقيداً.
هذا التحول انعكس مباشرة على الداخل اللبناني، إذ عاد النقاش حول علاقة الدولة بالقوة المسلحة، وحدود الشرعية السياسية والدستورية. ففي الدولة الحديثة، تحتكر المؤسسات الدستورية قرار الحرب والسلم، لكن التجربة اللبنانية أفرزت واقعاً أكثر تعقيداً يقوم على تداخل الدولة مع قوة عسكرية وسياسية مستقلة، تمتلك قدرة فعلية على التأثير في القرار الاستراتيجي.
ثالثاً: سوريا وتحول الذاكرة إلى سردية اجتماعية
تمثل الساحة السورية نقطة تحول مركزية في مسار التحولات الإقليمية، ليس بوصفها ساحة صراع سياسي فحسب، بل بوصفها مجالاً أنتج ذاكرة جماعية اجتماعية كثيفة ومعقدة. فالحرب السورية لم تُختزل ببعدها العسكري، بل امتدت إلى البنى الاجتماعية العميقة، فأعادت تشكيل علاقات الجماعات بعضها ببعض، وولّدت سرديات متباينة يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها داخل العائلات والفضاءات التعليمية والإعلامية.
ومع مرور الزمن، لا تبقى هذه الذاكرة محصورة بجيل الشهود المباشرين، بل تنتقل عبر آلياتٍ اجتماعية وثقافية إلى الأجيال اللاحقة، لتتحول إلى جزء من الوعي الجمعي، بما يحمله ذلك من أحقاد وتأثير طويل المدى على العلاقات بين المكونات الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك العلاقات مع البيئات المرتبطة بالفاعلين الخارجيين المنخرطين في الصراع.
رابعاً: الخليج العربي والمجال الحيوي الاقتصادي والاجتماعي
إذا كانت الساحة السورية، بحكم موقعها التاريخي كقلب للدولة الأموية وما يحمله ذلك من مركزية جغرافية وتاريخية ووجدانية في الذاكرة العربية، قد اكتسبت في سياق التحولات الإقليمية بعداً رمزياً ووجدانياً، فإن العلاقة مع الخليج العربي، بما يمثله من ثقل اقتصادي تاريخياً وما ارتبط به من حركة موسمية في الحجاز، إضافة إلى مركزية دينية، تمثل البعد المعيشي والاقتصادي الأكثر حساسية. فالتاريخ الحديث للبنان يُظهر أن دول الخليج العربي شكلت أحد أهم مجالات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين، بما في ذلك شريحة واسعة من البيئة الشيعية اللبنانية، من خلال فرص العمل والهجرة والاستثمار.
وتكمن أهمية هذا البعد في أنه يعكس حقيقة أساسية: المجتمعات لا تقوم فقط على الانتماءات السياسية أو الرمزية، بل على شبكات اقتصادية حية تؤمّن الاستقرار المعيشي للأفراد والأسر في أوطانها.
وفي المقابل، فإن أي تراجع في مستوى الثقة أو الانفتاح مع هذا الفضاء لا ينعكس سياسياً فقط، بل يمس بصورة مباشرة فرص العمل والاندماج الاقتصادي للأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز مفارقة بنيوية مهمة: بينما يمثل الخليج العربي مجالاً اقتصادياً حيوياً وواقعياً، تمثل إيران بالنسبة إلى بعض الاتجاهات السياسية داخل البيئة الشيعية مرجعية سياسية أو أيديولوجية، لكنها لم تكن تاريخياً بديلاً اقتصادياً مماثلاً من حيث القدرة على استيعاب اليد العاملة اللبنانية أو العربية، ما يضع جمهور "حزب الله" الشيعي في لبنان أمام إشكالية هوياتية متنامية قد تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة .
خامساً: العروبة الشيعية بين الاندماج التاريخي والاستقطاب الإقليمي
لطالما شكل الشيعة العرب جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي للمشرق والخليج العربي، وقد اندمجوا طويلاً في فضائه العربي العام.
غير أن العقود الأخيرة شهدت صعود استقطابات إقليمية حادة، ضمن إعادة تشكل المحاور المتنافسة في المنطقة، وفي مقدمها المحور المرتبط بإيران إلى جانب محاور عربية ودولية أخرى.
وتكتسب هذه الإشكالية بعداً خاصاً في الحالة اللبنانية إذا ما قورنت بمحطات الاستقطاب التي عرفها لبنان منذ نشأته الحديثة. فرغم انقسام اللبنانيين تاريخياً بين توجهات عربية وغربية متباينة، ورغم حدة الصراعات التي رافقت بعض تلك المراحل، بقيت غالبية القوى السياسية تتحرك ضمن إطار التأثير في هوية الدولة اللبنانية أو موقعها الإقليمي، من دون أن يفضي إلى اندماج عقائدي وتنظيمي يتجاوز الدولة الوطنية.
ومن هنا تبرز خصوصية تجربة "حزب الله"، إذ لم تقتصر العلاقة مع المرجعية الإيرانية على مستوى التحالف السياسي أو التنسيق العسكري الاستراتيجي، بل امتدت إلى مستوياتٍ فكرية وثقافية وتربوية وتعبوية، وإلى شبكات دعم ورعاية اجتماعية ومعيشية مرتبطة بالمؤسسات الحزبية. وقد ساهم ذلك في تكوين أطر رمزية وهوياتية عابرة للحدود، تختلف في طبيعتها عن أنماط الاندماج الاقتصادي والاجتماعي التقليدية التي قامت تاريخياً على فرص العمل والهجرة والانفتاح داخل المجال العربي، وخصوصاً الخليجي. وفي المقابل، لم ينعكس هذا الارتباط بصورة موازية في مشاريع إنتاجية وتنموية واسعة قادرة على إحداث تحولٍ اقتصادي مستدام داخل المناطق الشيعية اللبنانية أو توفير قاعدة اقتصادية بديلة على نطاق مماثل. وقد جعل ذلك النقاش يتجاوز مسألة الخيارات الإقليمية إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الهوية والانتماء السياسي وحدود العلاقة بين الدولة الوطنية والمرجعيات العقائدية والتنظيمية الخارجية لـ"حزب الله". وقد ساهم هذا الواقع في إعادة تشكيل بعض أنماط الانتماء السياسي، وفي بروز ولاءات تتجاوز أحياناً حدود الدولة الوطنية.
ولا تتعلق الإشكالية هنا بالهوية المذهبية في ذاتها، بل بالتوازن بين دوائر الانتماء المختلفة، وبقدرة هذه الدوائر على التعايش من دون أن تؤدي إلى إضعاف الاندماج داخل المجال الوطني والعربي الذي شكّل تاريخياً الإطار الطبيعي لحركة المجتمعات ومصالحها.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم جانب من الأزمات والتوترات الراهنة داخل البيئة الحاضنة للحزب بوصفها انعكاساً لإعادة ترتيب العلاقة بين الانتماء الوطني والانتماء الإقليمي، وما يترتب على ذلك من إعادة تعريف لموقع هذه الجماعات الاجتماعية داخل فضائها الأوسع.
سادساً: التداعيات الثلاثية والتكلفة غير المرئية على جمهور الحزب
لا تُقاس المشاريع السياسية والعسكرية لـ"حزب الله" بما تحققه من نفوذ أو مكاسب مباشرة فحسب، بل أيضاً بما تتركه من تكلفة اجتماعية غير مرئية، تتجلى في تآكل رأس المال الاجتماعي داخل الدولة والمجتمع والإقليم.
وتشمل هذه التكلفة:
• تراجع الثقة داخل الدولة اللبنانية.
• تراجع الثقة بين المكونات الاجتماعية.
• اهتزاز مستويات الثقة مع المحيط العربي والإقليمي.
وهذه العناصر لا تُبنى بسرعة، وإذا ما تراجعت فإن إعادة ترميمها تصبح عملية طويلة ومعقدة قد تمتد آثارها عبر أجيال.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم التداعيات المتراكمة للخيارات الإقليمية التي يتبناها "حزب الله" ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:
ـ لبنانياً:
إعادة طرح سؤال الشراكة الوطنية وحدود العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة، وما يترتب على ذلك من اختلال في إدراك التوازن الداخلي بفعل الدور السياسي والعسكري للحزب الذي يغلِّب توازن القوة على قوة التوازن .
ـ سورياً:
تراكم ذاكرة حرب معقدة، بما في ذلك ما ارتبط بتدخلات أطراف إقليمية في الصراع، تتحول تدريجاً إلى سرديات اجتماعية تتناسل فيها الأحقاد وتنتقل بين الأجيال.
ـ خليجياً وعربياً:
تراجع في مستويات الثقة والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي، وما يرافق ذلك من تأثير على فرص العمل والاندماج، في سياقات تتسم بقدر من الانتقائية في التعامل مع الخلفيات السياسية والأيديولوجية.
وتتداخل هذه المستويات لتشكّل البيئة الإقليمية التي يعيش فيها جمهور الحزب ويعيد إنتاج علاقاته داخلها.
سابعاً: ماذا سيرث الجيل القادم؟
لا يمكن تقييم تجارب "حزب الله" السياسية والعسكرية فقط من خلال نتائجها المباشرة، بل من خلال ما تتركه من آثار ممتدة على الأجيال اللاحقة.
فالسؤال الجوهري لا يتعلق بما تحقق في لحظة معينة، بل بما سيحمله المستقبل:
• هل سيورث الجيل القادم قوة سياسية واجتماعية مستقرة؟
• أم شبكة علاقات إقليمية متوترة؟
• أم مزيجاً معقداً من المكاسب السياسية الظرفية و الاستنزاف البشري المستمر لبيئته كما التحديات الاجتماعية والاقتصادية القادمة؟
قد تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها تكشف أن أثر السياسة لا ينتهي عند حدود اللحظة السياسية، بل يمتد ليشارك في تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأجيال المقبلة.
استنتاج
تكشف هذه المقاربة أن فهم التجربة السياسية للحركات الإقليمية، ولا سيما منها تجربة "حزب الله"، لا يكتمل من خلال ميزان القوة وحده، بل يتطلب دراسة آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الطويلة المدى. فبين فائض القوة ومعضلة جمهور "حزب الله" الاندماج، تظهر إشكالية التوازن بين الخيارات الإقليمية ومتطلبات الانتماء الوطني والعربي.
كما تبرز أهمية النظر إلى البنية التعبوية والأيديولوجية داخل بعض البيئات الحاضنة، بما فيها البيئة المرتبطة بالحزب، وإلى دورها في تشكيل وعي الأجيال بمفهوم الدولة الوطنية وحدودها ووظيفتها، في ظل ما تثيره من إشكاليات هوياتية تتعمق بالعلاقة بين الانتماء الوطني والانتماءات الإقليمية أو العقائدية الأوسع وتتصل بها، بما يحمله ذلك من تداعيات سلبية محتملة، على المدى الطويل.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأساسي في الحفاظ على تعزيز شروط الاستقرار والثقة المجتمعية المتبادلة، والعمل على بلورة معنى للمواطنة بما يسمح للأجيال القادمة بالعيش ضمن فضاء أكثر توازناً وانفتاحاً.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية