حزب الله وأوهامه!
أرى نعيم قاسم متسمراً أمام شاشة التلفاز، محدقاً في أحمد الشرع المتأنق في هندامه، المتأني في كلامه، ينتظره بفارغ الصبر ليتحدث عن إمكانية تدخل سوريا في لبنان، ولو تلميحاً. فليس التدخل السوري طوق نجاته، إنما إيهام الناس به.
بهمّة أمينه العام الراحل، أتقن "الحزب" طويلاً لعبة الوهم: أوهَمَنا بـ 100 ألف صاروخ، و100 ألف مقاتل، وبأن إسرائيل "واقفة على إجر ونص" خوفاً من توغله في الجليل. اليوم، زال الوهم وبقي الغمّ بعد مآسي إسنادَي غزة وإيران، فلا بدّ من وهم آخر... جيش الشرع الإسلامي!
لا ريب في أن الشرع "تبرّع" لدونالد ترامب في لجم "الحزب"، من منطلق عرض عضلاته وتسخيرها في خدمة الصالح الأميركي العام، إلا أننا سنحكم على ظاهر الأمر. فالشرع نفسه ينفي أي نية لإرسال قواته إلى لبنان. طبعاً، لا مصلحة لـ "الحزب" في غزو سوري للبنان، لكن مصلحته في بقاء هذا الاحتمال قائماً. فالتدخل السوري خطر وجودي على "الحزب"، بينما التهديد به يمنح "الحزب" خصماً خارجياً جديداً يمكنه من إعادة إنتاج حجته القديمة: سلاحنا ضرورة لمواجهة احتلال آتٍ.
يخشى "الحزب" خطوة من هذا القبيل، فالجبهة السورية ليست كالجبهة الإسرائيلية، والفصائل المنضوية في جيش الشرع تعرف الحدود وشعابها، ويحمل مقاتلوها إرثاً دموياً مع "الحزب" منذ الحرب السورية، وغزوهم يقطع الرئة الشرقية لـ "الحزب"، فيما تضغط إسرائيل من الجنوب، بموازاة جدية لبنانية في نزع سلاحه. وهم التدخل السوري يسمح لـه بتحويل مطلب تسليم السلاح من قضية سيادية لبنانية إلى "مشروع أميركي – إسرائيلي" تنفذه سوريا. وهذا يهبه فرصةً لاستنهاض بيئته، وإحراج خصومه، واستدعاء ذاكرة الوصاية السورية لدى شرائح لبنانية تُعادي "الحزب"، وترفض في الوقت نفسه عودة الجيش السوري إلى البلاد، ولو كان الهدف من رجعته إخضاع "الحزب" نفسه.
لا يعيش "الحزب" بلا عدو، أي بلا "وهم"، وهو يحتاج إلى العدو السوري كخطاب، لا كقوة على الأرض. فهذا خطابٌ يوفر له بعض التعاطف، لكن يسلبه ما هو أهم: خطوط الإمداد، حرية الحركة، والقدرة على فرض شروط دويلته على الدولة.