حرب الـ106 أيام: 106 مليارات دولار أُنفقت عسكرياً و3 تريليونات دولار تبخرت من الاقتصاد العالمي
لم تكن الأيام الـ106 من المواجهة الأميركية–الإيرانية مجرد فترة اضطراب عسكري، بل كانت أزمة اقتصادية عالمية ذات كلفة استثنائية. فإلى جانب الخسائر الجيوسياسية، حملت الحرب فاتورة مالية تقديرية قد تقترب من 106 مليارات دولار، وفق احتساب معدل إنفاق يقارب مليار دولار يومياً، قبل إضافة التداعيات طويلة الأمد مثل إعادة بناء المخزونات العسكرية وتعويض المعدات والخسائر التشغيلية.
وتعكس هذه الفاتورة حجم التحول الذي أحدثته المواجهة، إذ لم تقتصر كلفة الحرب على ساحات القتال، بل امتدت إلى أسواق الطاقة، وتكاليف الشحن والتأمين، والأسواق المالية، وصولاً إلى الاقتصاد الرقمي الذي يعتمد بشكل متزايد على استقرار مصادر الطاقة.
ووفق تقديرات وزارة الدفاع الأميركية، بلغت الكلفة المباشرة للعمليات نحو 29 مليار دولار، بعدما تجاوز الإنفاق 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط من القتال، وشملت هذه النفقات الذخائر، تشغيل القوات المنتشرة، الدعم اللوجستي، وصيانة وتعويض المعدات العسكرية.
لكن الكلفة الأوسع ظهرت خارج الموازنة العسكرية، عندما تحولت الأزمة إلى اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة طالت أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم: مضيق هرمز.

مضيق هرمز… من ممر نفطي إلى متلازمة عالمية
خلال 106 أيام، تحول المضيق الذي تمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية، إلى مركز المخاوف الاقتصادية.
فالتصعيد العسكري لم يهدد الإنتاج فقط، بل هدد القدرة على نقل الطاقة. ووفق بيانات تتبع السفن التي نقلتها مؤسسات مثل LSEG وKpler، لم تعبر المضيق سوى 279 سفينة بين 28 شباط/ فبراير و12 نيسان/ أبريل 2026، مقارنة بمتوسط يقارب 100 سفينة يومياً قبل الحرب، ما أدى إلى انخفاض تجاوز 95% في حركة العبور خلال فترة التصعيد.
كما بقي نحو 600 سفينة تجارية عالقة أو بانتظار عودة الملاحة الطبيعية، فيما تأثر نحو 20 ألف بحّار نتيجة اضطراب حركة النقل البحري.
وهنا برز ما يمكن تسميته بـ"متلازمة هرمز": فالاقتصاد العالمي لا يعتمد فقط على توفر النفط، بل على شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب والناقلات وشركات التأمين. وأي خلل في هذه المنظومة يمكن أن يرفع الأسعار ويزيد المخاطر حتى قبل حدوث نقص فعلي في المعروض.
من فاتورة الحرب إلى فاتورة الاقتصاد العالمي
إذا كانت فاتورة الحرب المباشرة قد وصلت إلى عشرات المليارات، فإن تداعياتها غير المباشرة أعادت تسعير المخاطر في الاقتصاد العالمي.
فارتفاع مخاطر الطاقة انعكس على توقعات التضخم، ومسار أسعار الفائدة، وربحية الشركات. وفي الأسواق المالية، أدت موجة القلق إلى فقدان شركات مؤشر S&P 500 نحو 1.8 تريليون دولار من قيمتها السوقية في جلسة واحدة، مع تعرض أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لضغوط قوية.
وفي الوقت نفسه، تراجع الذهب بنحو 4% في جلسة واحدة، ما أدى إلى انخفاض تقديري في قيمته السوقية النظرية بنحو 1.1 تريليون دولار، وهو انخفاض في القيمة المحسوبة للأصل وليس خروجاً نقدياً بالقيمة نفسها.
المفارقة أن المستثمرين تخلوا في الوقت نفسه عن أصول عالية المخاطر مثل أسهم التكنولوجيا وأصول دفاعية مثل الذهب، في إشارة إلى انتقال الأسواق من البحث عن العائد إلى البحث عن السيولة وتقليص المخاطر.
عندما التقت الطاقة بالذكاء الاصطناعي
كشفت أزمة هرمز أن تكلفة الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بالإنفاق العسكري، بل بقدرتها على التأثير في البنية الاقتصادية التي يقوم عليها العالم.
فالذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أهم محركات النمو العالمي، يعتمد على بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات التي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات عالمياً ارتفع من نحو 460 تيراواط/ساعة عام 2022 إلى مستويات تقترب من 1,000 تيراواط/ساعة بحلول عام 2026 نتيجة التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لم تعد أزمة الطاقة مرتبطة فقط بالنفط والغاز، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الدول على تأمين الكهرباء اللازمة للاقتصاد الرقمي. فأي اضطراب في أسواق الطاقة يمكن أن ينعكس على كلفة تشغيل مراكز البيانات، وأسعار الخدمات الرقمية، واستثمارات شركات التكنولوجيا.

حرب الـ106 أيام… فاتورة تتجاوز الأرقام
أظهرت المواجهة الأميركية–الإيرانية أن 106 مليارات دولار ليست مجرد تقدير مالي لحرب استمرت 106 أيام، بل مؤشر على حجم الترابط بين الأمن العسكري والطاقة والأسواق والتكنولوجيا.
فالأزمة أثبتت أن الاقتصاد العالمي، رغم اعتماده على البيانات والخوارزميات، لا يزال مرتبطاً بعوامل مادية أساسية: ممرات الطاقة، شبكات النقل، واستقرار البنية التحتية.
وبعد انتهاء المواجهة، بقي السؤال الأكبر: هل ستدفع هذه الكلفة الدول إلى بناء نظام اقتصادي أكثر مرونة، أم أن العالم سيبقى معرضاً لصدمة جديدة من نقطة اختناق جغرافية واحدة؟
ففي الاقتصاد الحديث، قد لا تكون الحرب طويلة حتى تكون مكلفة… فقد تكفي 106 أيام فقط لتترك فاتورة تمتد آثارها لسنوات، والى جميع جوانب حياتنا اليومية.