حرب الخصومات في تطبيقات التوصيل تبقي "جاهز" في الخسارة رغم قفزة إيراداتها 36%
منذ دخول عملاق التوصيل الصيني "كيتا" التابع لمجموعة "ميتوان" (Meituan) إلى السوق السعودية، تخوض شركات التوصيل المحلية معركة بقاء تقوم على حرب أسعار وخصومات متصاعدة لم يعد المستهلك بمنأى عنها، إذ تحوّل طلب الوجبة عبر التطبيق من عادة يومية بسيطة إلى ساحة تنافس على ولاء المستخدم. نتائج شركة "جاهز الدولية لتقنية نظم المعلومات" للنصف الأول من عام 2026م تكشف حجم كلفة هذه المعركة على أحد أبرز اللاعبين في هذا القطاع.

ما وراء الأرقام
جاهز، الشركة السعودية الرائدة في تطبيقات توصيل الطلبات والمُدرجة في السوق الرئيسية "تاسي" التابعة للسوق المالية السعودية "تداول" تحت الرمز (6017)، أعلنت نتائجها المالية الأولية الموحدة للفترة المنتهية في 30 يونيو/حزيران 2026. وأظهرت الأرقام مفارقة لافتة حيث أظهرت نمو قوي في الإيرادات يقابله استمرار في الخسائر، ما يشير إلى أن المعركة على الحصة السوقية ما زالت تكلّف الشركة أكثر مما تجنيه من توسّع أعمالها.
الشركة، التي توسّعت أخيراً خارج المملكة العربية السعودية عبر الاستحواذ على حصة 76.56% من منصة "سنونو" القطرية في صفقة بقيمة 245 مليون دولار أميركي تم إتمامها في الربع الرابع من عام 2025، تدير اليوم منظومة إقليمية متعددة الخدمات تشمل التوصيل والإعلانات والتسويق واللوجستيات في السعودية وقطر والكويت وعُمان. ونتائج الربع الثاني تعكس كلفة هذا التوسع الإقليمي بالتوازي مع محاولات استرداد الحصة السوقية محلياً.
نمو الإيرادات لا يعني تحسّن الربحية
سجّلت جاهز إيرادات صافية بلغت 763 مليون ريال سعودي (نحو 203.5 مليون دولار) في الربع الثاني من 2026، بنمو 34.5% على أساس سنوي، ليصل إجمالي الإيرادات في النصف الأول إلى 1.49 مليار ريال (نحو 396.8 مليون دولار) بارتفاع 36.1%. لكن هذا النمو لم يترجم إلى أرباح؛ إذ سجّلت الشركة خسارة صافية عائدة لمساهميها بلغت 17.4 مليون ريال (نحو 4.6 مليون دولار) في الربع الثاني، مقابل ربح صافٍ قدره 23.6 مليون ريال (نحو 6.3 مليون دولار) في الربع المماثل من 2025، لترتفع خسائر النصف الأول إلى 26.6 مليون ريال (نحو 7.1 مليون دولار) مقابل أرباح بلغت 58.9 مليون ريال في العام السابق.
الأهم من رقم الخسارة نفسه مصدرها: هامش الربح الإجمالي تراجع من 21% إلى 18% في الربع الثاني، بعدما ارتفع إجمالي الربح إلى 137.2 مليون ريال (نحو 36.6 مليون دولار) من 119.3 مليون ريال (نحو 31.8 مليون دولار). وفي المقابل، انخفضت الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (Adjusted EBITDA) بنسبة حادة بلغت 37.4% لتصل إلى 22.5 مليون ريال فقط (نحو 6 ملايين دولار). هذا التراجع في الربحية التشغيلية، رغم نمو الإيرادات بأكثر من الثلث، يشير إلى أن الشركة تدفع من هامش ربحها ثمن استعادة نموها.

أين ذهبت الأرباح؟
في السوق السعودية، القاعدة الأساسية لجاهز، انخفضت الإيرادات الصافية 13.1% إلى 415.5 مليون ريال (نحو 110.8 مليون دولار)، نتيجة تحوّل مزيج الإيرادات لصالح العمولات والإعلانات على حساب رسوم التوصيل، بالتزامن مع زيادة الإنفاق التسويقي والحملات الترويجية لاستعادة الحصة السوقية. بعبارة أخرى، جاهز تُنفق أكثر على الخصومات والعروض لإبقاء العملاء وجذبهم من جديد في مواجهة منافسين جدد وقدامى، وهو ما انعكس مباشرة على هامش الربح رغم تحسّن إجمالي قيمة الطلبات.
أما على الصعيد الدولي، فقفزت الإيرادات الصافية للقطاع من 65.3 مليون ريال (نحو 17.4 مليون دولار) إلى 328.7 مليون ريال (نحو 87.7 مليون دولار)، بفضل توحيد نتائج "سنونو" واستمرار النمو القوي في قطر، إلا أن هذا القطاع لا يزال يحقق خسائر بلغت 16.4 مليون ريال في الربع الثاني بسبب تكاليف مرحلة الإطلاق والاستثمار في التوسع إلى الكويت وعُمان. وحدها الأنشطة اللوجستية أظهرت تحسناً واضحاً، إذ تحوّلت من خسارة تشغيلية إلى ربح مقداره 2.6 مليون ريال (نحو 0.7 مليون دولار)، مدعومة بكفاءة استخدام السائقين وتقنيات تجميع الطلبات.
ماذا قالت الإدارة
علّق المهندس غصاب بن سلمان بن منديل، الرئيس التنفيذي لمجموعة جاهز، قائلاً: "حققت مجموعة جاهز نمواً قوياً خلال النصف الأول من عام 2026، والأهم من ذلك، شهد الربع الثاني تحسناً في الزخم التجاري على مستوى المجموعة، حيث ارتفع إجمالي قيمة البضائع (GMV) بنسبة 9.7% مقارنة بالربع الأول من عام 2026م، كما ارتفع عدد الطلبات بنسبة 15.9%، وذلك بفضل الخطوات التي اتخذناها لاستعادة حصتنا السوقية وتعزيز تفاعل العملاء في المملكة العربية السعودية، ونمو العمليات الدولية مدفوعاً بمساهمة سنونو الكاملة في النصف الأول".

ما الذي يجب أن يراقبه المستثمرون
الرسالة الأساسية لمستثمري جاهز أن الشركة تمر بمرحلة انتقالية مزدوجة مع محاولة استعادة الزخم في سوقها الأم بعد ضغط تنافسي متصاعد، وفي الوقت نفسه بناء منصة إقليمية جديدة عبر "سنونو" في أسواق ما زالت في مراحلها الأولى وتستهلك استثمارات كبيرة قبل أن تصبح مربحة. النمو المزدوج في الإيرادات (34.5% ربعياً، 36.1% نصف سنوي) يمنح الشركة زخماً تشغيلياً حقيقياً، لكن استمرار الخسائر للربع الثاني على التوالي، وتراجع هامش الربحية بمقدار ثلاث نقاط مئوية، يطرحان سؤالاً جوهرياً: متى تتحول استثمارات استعادة الحصة السوقية إلى نمو مربح فعلياً؟
بيان مراجع الحسابات جاء بـ"رأي غير معدّل" دون أي تحفظات، ما يعني أن الأرقام المُعلنة لا تحمل شكوكاً محاسبية، وأن الخسارة نابعة من قرارات استراتيجية وليست من مشكلات في جودة الأرباح. تعقد الشركة مكالمة مستثمرين في 17 أغسطس/آب المقبل، وهي فرصة أمام الإدارة لتوضيح جدول زمني أوضح لعودة الربحية.
السياق الأوسع
تأتي نتائج جاهز في وقت يشهد فيه قطاع توصيل الطعام في الخليج تحولاً جذرياً: دخول "كيتا" الصينية بميزانيات تسويقية ضخمة أشعل حرب أسعار غير مسبوقة في السعودية، بينما أُدرجت "طلبات" في بورصة دبي بتقييم تجاوز ملياري دولار، ما يعكس تسارع المنافسة الإقليمية على قطاع كان حتى وقت قريب حكراً على عدد محدود من اللاعبين. في هذا السياق، رهان جاهز على التوسع الإقليمي عبر "سنونو" ليس ترفاً استراتيجياً بل ضرورة للبقاء في لعبة الحجم التي باتت تحكم هذا القطاع، حتى لو كان الثمن خسائر مؤقتة على المدى القصير. النجاح النهائي لهذا الرهان سيتحدد بمدى قدرة جاهز على تحويل نمو الطلبات في السعودية وقطر إلى أرباح مستدامة قبل أن ينفد صبر المستثمرين على استمرار الخسائر.