حرب إيران وتسريبات البيت الأبيض... من وراءها؟
تحدّث الإعلام الأميركي بأطيافه كافة عن أسباب تعليق الإدارة الأميركية، خلال اجتماع البيت الأبيض يوم الجمعة، استئناف الحملة العسكرية على إيران. من "سي إن إن" إلى "وول ستريت جورنال" وما بينهما، أشارت أهم الأسباب إلى انخفاض مخزون الذخيرة الأميركية الدفاعية. وبدا تسريب المعلومات منسّقاً بما أن خمس وسائل إعلامية على الأقل تطرقت إلى الموضوع.
أين المشكلة في التسريبات؟
ليس الوضع المتداول حالياً عن مخزون الصواريخ الدفاعية جديداً. لعلّ أشهر مؤسسة تناولت هذا الموضوع في أميركا هي "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" ومقرها واشنطن. المشكلة في أن التقارير الأخيرة كشفت سريعاً جزءاً كبيراً من آلية صناعة القرار في البيت الأبيض، والحسابات التي تقف خلفها. يُفترض بجذور القرار، أكان تصعيدياً أم احتوائياً، أن تبقى سرية.
ففي الوقت الذي توقفت الغارات، استعادت القنوات الديبلوماسية بعض الزخم. بحسب وكالة "أسوشيتد برس"، كثّف الوسطاء جهودهم لمنع النزاع من التحول مجدداً إلى حرب واسعة. إذا كانت الحملة فعلاً قد سرّعت الوساطة خشية انفلاش النزاع، فإن التسريبات بشأن القيود العسكرية على الإمكانات الأميركية تخفّض فرص الحلّ. بالتأكيد، لن تخشى إيران كثيراً حملة عسكرية جديدة من واشنطن بعد التقارير المتسلسلة عن الوضع الدفاعي. في الوقت نفسه، ستكبّل هذه التسريبات قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاحتفاظ بالمناورة الديبلوماسية مع الإيرانيين. بعبارة أخرى، سيتقلّص الهامش أمام ترامب حتى في التلويح بالضغط العسكري.
وردّاً على التراجع الأميركي يوم الجمعة، انتقدت هيئة التحرير في "وول ستريت جورنال" التسريب وتوقيته مضيفة أنه إذا كان النقص في مخزون الذخائر صحيحاً فعلى ترامب دعوة الكونغرس للانعقاد والبحث في حلّ المشكلة. "لكن إذا كانت فجوة الصواريخ تُطرح لغايات سياسية من قبل مسؤولين يريدون من السيد ترامب أن يتراجع، فعلى الرئيس منع تلك الأصوات (من الحضور) في غرفة العمليات".
#Analysis#
من هي تلك الأصوات؟
صغيرة هي لائحة المعارضين العلنيين للحرب على إيران ضمن الإدارة. في وقت دق مسؤول السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي جرس الإنذار بخصوص ضرورة التركيز على شرق آسيا منذ فترة طويلة، يبقى أنه أيّد الحرب على إيران. من جهته، وبينما حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين من انخفاض الذخيرة، شدّد على أن الأمر لا يعني غياب القدرة الأميركية الهجومية، بل فقط زيادة المخاطر على الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط.
بالمقابل، كان نائب الرئيس جي دي فانس الوحيد الذي واصل علناً معارضة الحرب في الآونة الأخيرة. خلال مقابلة على "بودكاست" مع جو روغان أواسط الشهر الحالي، قال فانس إن العمليات العسكرية في إيران ستطلق موجات لجوء كبيرة، كما حصل بعد التدخل الأطلسي في ليبيا، (هذا الاحتمال نوقش أيضاً في الاجتماع بحسب "سي إن إن"). كذلك، أشار فانس في المقابلة إلى أن القادة الإيرانيين ليسوا جميعهم متشددين.
أغضبت هذه الخطوة مشرّعين جمهوريين لأن فانس لم يلبّ دعوتهم لحضور اجتماع مهمّ في الكابيتول، من أجل أن يتمكن من الظهور عبر البرنامج. ولم يساعده كثيراً عدم إجراء المقابلة إلكترونياً بل انتقل إلى تكساس كي يحضر في الاستديو المخصص للتصوير. واتهمت إحدى المنصات التابعة لـ "فوكس نيوز" فانس بأنه "يقوض" سياسة الرئيس.
وفي حزيران/يونيو، اتهمت مصادر إسرائيلية عبر "جيروزاليم بوست" مسؤولين في الإدارة، خصوصاً فانس، بالوقوف وراء تسريب معلومات خطّة تسليح الأكراد إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. نفى مساعد فانس الخاص هذا الأمر "نفياً قاطعاً". من جهتها، رجّحت المستشارة السياسية الديموقراطية جيسيكا تارلوف أن يكون فانس هو من سرّب مسوّدة مذكرة التفاهم إلى مجلة "ذي أتلانتيك"، مع العلم أن هدفها لم يكن انتقاد نائب الرئيس بل الإشارة إلى أن التسريبات تكشف ما هو صحيح.
الواضح حتى الآن أنّ فانس يريد تقديم أوراق اعتماده الرئاسية مبكراً، خصوصاً لجمهور أقصى اليمين، باعتباره زعيم "ماغا" المستقبلي الذي عارض الحروب، وربما أوقفها. لا يعني هذا بالضرورة أنه يقف خلف تسريب محضر الاجتماع إلى الإعلام. في النهاية، قد تتوقف التسريبات عن أن تكون المشكلة. ربما يصبح اندفاع فانس العلني إلى التسوية مع إيران مصدر توتر مع ترامب والإعلام المؤيّد له، ناهيكم عن قسم كبير من الجمهوريين.