حرب إيران... هل طوت "نووي" كوريا الشمالية؟
عقب الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران، قد يُعذر المرء إذا نسي أن التوتر الخارجي الأول في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى كان كوريا الشمالية، لا إيران. حينها، تعرّف العالم إلى شعار "النار والغضب" كعلامة خاصة لتهديدات ترامب الحادة، بعدما حذّر الزعيمَ الكوري الشمالي كيم جونغ أون من مغبة التصعيد النووي وتهديد الأراضي الأميركية. كان ذلك في أغسطس/آب 2017، أي في وقت لم يكن ترامب قد انسحب بعد من الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه باراك أوباما مع إيران، وبينما راحت بيونغ يانغ تطور برنامجيها الصاروخي والباليستي.
إيران وكوريا الشمالية... ترابط شبه عضوي
بعد نحو عام على التهديد والوعيد، عادت الأمور لتهدأ قليلاً مع أول قمة بين ترامب وكيم وقد استضافتها سينغافورة في 12 حزيران/يونيو 2018. مثّل ذلك الحدث سابقة، إذ إنه للمرة الأولى في التاريخ يلتقي رئيس أميركي شاغل لمنصبه وجهاً لوجه مع زعيم كوري شمالي. للمفارقة، كان التوتر الحقيقي بين ترامب وإيران قد بدأ حديثاً آنذاك مع تمكن ترامب من إلغاء الاتفاق النووي في 8 أيار/مايو 2018. باختصار، وبعد تسعة أعوام، انقلبت الأمور رأساً على عقب: اختبرت إيران، لا كوريا الشمالية، مفعول "النار والغضب". لكن خروج النظام في طهران متماسكاً بعد القصف يظهر حجم الصعوبات التي ستواجهها الولايات المتحدة إذا حاولت نزع سلاح كيم النووي.
صحيح أن كوريا الشمالية أصغر بكثير من إيران، إذ تبلغ مساحة الأولى نحو 120 ألف كيلومتر مربع مقابل أكثر من مليون ونصف المليون لإيران. لكن كوريا الشمالية معزولة عن العالم ومحصّنة من الاختراقات الاستخبارية الكبيرة، بعكس ما هي عليه الحال مع الاختراق الاستخباري الإسرائيلي للقادة الإيرانيين. ومن غير المستبعد أن تكون كوريا الشمالية قد حصّنت أسلحتها النووية في صوامع وأنفاق بنفس عمق وصلابة الأنفاق في إيران، إذ تشير تقارير إلى أن الكوريين الشماليين كانوا يساعدون إيران و"حزب الله" في لبنان على حفر شبكة معقّدة من تلك الأنفاق. وتملك كوريا الشمالية نحو 50 رأساً نووياً إضافة إلى مواد انشطارية وأكثر من مئة صاروخ باليستي متوسط وبعيد المدى. يصعّب كل ذلك المهمة على الأميركيين.
كوريا الشمالية... بين أميركا والصين
ليس أدل على نهاية الآمال بإمكانية إيجاد حل للترسانة النووية في كوريا الشمالية من زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ مطلع الأسبوع الحالي إلى تلك البلاد. بحسب قراءة الخبير في شؤون الصين والكوريتين سيونغ-هيون لي، تخلى شي عن كلمة "نزع السلاح النووي" في مقاله الذي عرضته الصفحة الأولى من جريدة رودونغ سينمون الكورية الشمالية، قبيل الزيارة الأولى له منذ سنة 2019. حينها، وضمن مقاله في الصحيفة نفسها، أشار شي إلى تأييده حلاً سياسياً لقضايا شبه الجزيرة الكورية، في تلميح إلى تسوية نهائية محتملة.
يرى لي في معهد "لوي" أن سياسة الصين الجديدة تضمن اضطرار الولايات المتحدة وحلفائها إلى تقييد بنيتهم التحتية ومواردهم في المنطقة مما يقيّد تحركاتهم في مسارح مهمة أخرى للصين مثل تايوان.
مع ذلك، يمكن التساؤل أيضاً عما إذا كانت هذه السياسة الجديدة وليدة محدودية الخيارات الصينية نفسها. ربما اضطرت بكين الى اعتماد هذا النهج بعدما تضاءلت احتمالات إيجاد حل للملف النووي، أكان بشكل فردي أم جماعي. يبدو إلى الآن أن كيم نجح بفرض نظامه، على الأصدقاء والأعداء معاً.