حرب إيران: طلاق النصر السياسي والعسكري
سنة 1975، التقى العقيد الأميركي هاري سامرز جونيور بنظيره الفيتنامي الشمالي العقيد تو (اسم العائلة محطّ تكهن). وسرعان ما دار الحديث التالي بينهما، بمبادرة من سامرز:
"هل تعلم، أنتم لم تهزمونا قطّ في الميدان".
فكّر العقيد الفيتنامي مليّاً ثم أجاب:
"قد يكون هذا صحيحاً... لكنّه أيضاً غير ذي صلة".
عبّر هذا الحديث عن الصعوبة الراسخة في تحويل النصر العسكري في الحروب إلى نصر سياسي. عجزت أميركا التي لم تخسر معركة كبيرة في فيتنام عن استثمار تفوقها العسكري في المستوى السياسي.
في إيران، حققت الولايات المتحدة مع إسرائيل ما لم يكن بإمكان أي دولة أخرى تحقيقه: سيادة شبه كاملة في أجواء الدولة التي تحتل المساحة السابعة عشرة دولياً، إلى جانب تدمير معظم القطع البحرية الإيرانية الكبيرة. كذلك، هدم المهاجمون صناعة إيران العسكرية وأثبطوا إطلاق الصواريخوالمسيّرات إلى حد كبير.
إذاً لماذا لم تستسلم إيران؟
تتمتع إيران بمزية مهمة: تقدير دقيق لفترة الحرب عليها. عندما يدرك الطرف الأضعف عسكرياً الفترة الزمنية القصوى للهجوم عليه، تصبح فرصه للنجاة أفضل. وإدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها أعلنت أن الحرب ستستمر بين 4 إلى 6 أسابيع. وهي لم تكشف سراً. فمن شبه المستحيل أن يسمح الكونغرس باستمرار الحرب لأكثر من شهرين تقريباً.
علاوة على ذلك، استعدت إيران لهذه الحرب منذ عقود، وليس على المستوى العسكري التقليدي فقط. رسّخ النظام نفسه في الدولة حتى باتت كل مؤسساتها بقبضة قوات الحرس الثوريوالباسيج. يصعب تفكيك هذه البنى شبه العسكرية عبر القصف الجوي وحده، وإن كان يستحيل الاستهانة بحجم الخرق الاستخباري فيها. قصارى القول إن ضرب جيوش تضم مئات الآلاف، وصُممت أساساً لخوض حروب غير متماثلة، أمر صعب على دولة تريد تفادي فخّ "الحروب المتوسطة الحجم"، كما الحروب الكبيرة.
![]()
وفي عصر الإعلام المفتوح، تتمتع إيران بقناة أساسية من أجل الترويج لصمودها. لقد كانت براعة إيران الدعائية على مواقع التواصل الاجتماعي، مدعومة بتقنية الذكاء الاصطناعي، لافتة إلى درجة أن مؤسسات رأي درست رسوم "الليغو" المتحركة التي جسّدت استعداد إيران للحرب المعنوية وحسن قراءة خصومها نفسياً.
لكن هل هُزمت أميركا؟
بالتأكيد لا. أولاً، لم تنتهِ الحرب، ولا حتى المفاوضات المرافقة لها، من أجل الحكم عليها. كذلك، حتى لو غادر ترامب اليوم الملف بأكمله، من دون استئناف الضربات ولا المفاوضات، سيكون الرئيس الأميركي قد حقق هدفاً رئيسياً بتدمير جزء كبير، إن لم يكن الجزء الأكبر، من البرنامجين النووي والصاروخي. وسيكون على إيران إعادة التفكير ملياً بما إذا كان إنفاق مزيد من الأموال (إذا توفرت) على برنامجها النووي، أمراً يستحق العناء. باختصار، تم إبعاد إيران عن العتبة النووية لفترة من الزمن.
حمّل العقيد سامرز القيادة السياسية الأميركية مسؤولية الفشل في فيتنام. وأصبح كتابه "عن الاستراتيجية" مرجعاً لفهم تلك الحرب وتصحيح التنسيق بين القيادتين السياسية والعسكرية، كما ألهم وزراء دفاع مستقبليين لاعتناق رؤية عسكرية أكثر تحفظاً.
مع ذلك، يبقى تضاؤل قدرة المتفوق عسكرياً على فرض شروطه الكاملة واقعاً صامداً. فإلى الآن على الأقل، لا يتناسب حجم ما دمرته الآلة العسكرية الأميركية مع حجم الطموحات السياسية لقائدها الأعلى. ليس هذا مستغرباً في المطلق. فالحرب في نهاية المطاف صراع إرادات. تكوين فكرة دقيقة عن تلك الإرادات يتعدى قدرات العلوم الطبيعية والاجتماعية معاً.