حرب إيران تهزّ التقارب السوري – العراقي... النفط يعبر والفصائل تُهدّد المسار

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

دخلت العلاقات السورية – العراقية اختباراً جديداً بفعل حرب إيران وتداعياتها؛ فبعد أشهر، انتقل فيها البلدان من استئناف التنسيق إلى توريد النفط العراقي براً عبر سوريا، وبحث إنشاء خط يصل إلى بانياس، أعادت هجمات انطلقت من العراق، والضربات التي استهدفت مواقع الفصائل داخله، الاعتبارات الأمنية إلى واجهة العلاقة.

وارتفع سقف الموقف السوري للمرة الأولى من التنسيق مع بغداد إلى تحذيرها، بعدما نقلت مصادر عراقية أن دمشق أبلغت مسؤولين عراقيين بأن أيّ هجوم ينطلق من أراضيهم لن يمر من دون ردّ. وجاء ذلك بعد إعلان سوريا وقوفها إلى جانب السعودية ودعم إجراءاتها لحماية أمنها، إثر اتهام فصائل مرتبطة بإيران بإطلاق مسيّرات نحو منشآتها النفطية.

هكذا وجدت دمشق نفسها أمام وجهين للعراق: دولة تريد توسيع التجارة معها، وربط المتوسط بالنفط العراقي، وفصائل تستطيع، كلما تصاعدت المواجهة مع إيران، تعريض الحدود والمشاريع المشتركة للاهتزاز.

وانتقل التوتر إلى الشريط الحدودي. فقد وصلت تعزيزات من الفرقة 86 ووحدات سورية أخرى إلى البوكمال، وتحدثت مواقع سورية عن تحليق مكثف لمسيّرات من الجانب العراقي، وعن تحركات باتجاه مقارّ الحشد الشعبي في الجهة المقابلة، من دون إعلان رسمي من دمشق أو بغداد.

 

النفط يعيد فتح الطريق

 

جاء التصعيد بعد أشهر دفعت خلالها دمشق وبغداد علاقاتهما نحو مسار مختلف. ففي نهاية حزيران/يونيو، زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين دمشق، وبحث إنشاء لجنة عليا مشتركة، وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي، ونقل إمدادات الطاقة، وتأهيل خطوط النفط.

وتحولت الأراضي السورية بالفعل إلى منفذ إضافي للصادرات العراقية في ظل أزمة مضيق هرمز، وبدأت مئات الصهاريج نقل زيت الوقود العراقي إلى بانياس لتحميله على ناقلات متجهة إلى أسواق خارجية.

ومثّل مشروع مدّ خط للنفط من العراق إلى الساحل السوري العقدة الاستراتيجية الأهم في هذا التحسن؛ فهو يمنح بغداد منفذاً إلى المتوسط يقلّل اعتمادها على هرمز، ويوفر لدمشق رسوم عبور واستثمارات، ويربط استقرار شرق سوريا وغرب العراق بمصلحة اقتصادية طويلة الأمد. ورغم عمل بغداد على منافذ أخرى، بينها خط جيهان، يبقى مسار بانياس أبرز مشروع يمكن أن يحوّل الحدود من مساحة أمن وتهريب إلى شريان للطاقة والتجارة.

 

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في دمشق، 29 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)

 

النفط والسلاح على الطريق نفسه

لكن طريق الصهاريج إلى بانياس بقيت ممراً لشبكات السلاح أيضاً. ففي منتصف تموز/يوليو، ضبطت الداخلية السورية قرب الحدود شحنة صواريخ بعيدة المدى، ومضادات دروع، ومسيّرات، وقالت إن التحقيقات الأولية أظهرت قدومها من العراق في طريقها عبر سوريا إلى "حزب الله". وردت بغداد بتشكيل لجنة تحقيق والتنسيق مع دمشق لمعرفة كيفية مرورها. وبعد أقلّ من أسبوعين، ضبطت السلطات العراقية تسع بنادق داخل شاحنة قادمة من سوريا عبر القائم. وكشفت العمليتان أن الحدود التي تريد الحكومتان تحويلها إلى ممر للطاقة لا تزال تستخدم لتهريب السلاح في الاتجاهين.

وتتجاوز المشكلة التهريب إلى موقع الفصائل العراقية في الصراع الإقليمي. ففي آذار/مارس، حذرت "تنسيقية المقاومة العراقية" الرئيس السوري أحمد الشرع من أي تحرك سوري نحو لبنان بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعدّته إعلان حرب على "محور المقاومة". ثم جاءت المسيّرات المنطلقة من العراق نحو المنشآت السعودية، فدانت دمشق الهجمات، وسمّت منفذيها "ميليشيات مرتبطة بإيران"، وأعلنت دعم إجراءات الرياض لحماية أمنها وسيادتها.

 

بغداد بين الدولة والفصائل

حاولت الحكومة العراقية احتواء التداعيات بتأكيد أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لاستهداف دول الجوار، والتشديد على حماية الحدود، والتعامل بحزم مع أيّ نشاط يسيء إلى علاقاتها الإقليمية. لكن تكرار التعهدات والتحقيق في شحنات السلاح والهجمات المنطلقة من العراق يعيدان المشكلة إلى التنفيذ: قدرة الدولة على منع الفصائل من فرض سياستها الخارجية على الحكومة.

ولا تبدو الأزمة خلافاً سورياً – عراقياً تقليدياً؛ فدمشق وبغداد متمسكتان بمشاريع التجارة والطاقة وضبط الحدود، لكن فصائل داخل العراق تستطيع تعطيل هذا المسار، وتحويل ممر الطاقة إلى طريق للسلاح أو منصة لتهديد السعودية وسوريا.

خفّض تعليق الضربة الأميركية الجديدة لإيران احتمال الانفجار الفوري، لكنه لم يلغِ المشكلة التي كشفتها ساعات التصعيد. فالتحذير السوري نُقل إلى بغداد، وظهرت مؤشرات الاستنفار على الحدود، فيما رفعت الحكومة العراقية سقف تعهداتها. ويبقى مستقبل التقارب مرتبطاً بقدرة بغداد على حماية مشروعها مع دمشق من الفصائل، وإلا تحوّلت العقدة التي يُفترض أن تربط البصرة ببانياس إلى أكثر نقاط العلاقة هشاشة.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية