حرب إيران تكشف اقتصاداً دائرياً خفياً في القاهرة... "فتش عن البلاستيك"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أدى تعطل إمدادات البولي إيثيلين القادمة من الخليج إلى مضاعفة أسعار بعض منتجات البلاستيك في مصر، ودفع المصانع إلى أبواب جامعي المخلفات في منشية ناصر، لكن الطفرة تكشف في الوقت نفسه قطاعاً واسعاً يعمل بلا تمويل كافٍ أو حماية اجتماعية أو بيانات دقيقة.

 

في الأزقة الضيقة لمنشية ناصر شرق القاهرة، انعكس اضطراب مضيق هرمز في صورة غير متوقعة، فبدلاً من انتظار أصحاب ورش إعادة التدوير العثور على مشترين لأكياس البلاستيك المفرومة والعبوات المضغوطة، أصبحت المصانع هي التي تتصل بهم، باحثة عن أي كمية متاحة يمكن أن تعوض نقص الخامات المستوردة.

وتضاعفت أسعار بعض منتجات البلاستيك والتعبئة في السوق المصرية، بينما زاد الطلب على أنواع من البلاستيك المعاد تدويره إلى ثلاثة أمثاله، وارتفعت أسعار بعضها بما يصل إلى 60%. 

وتحولت مخلفات كانت تتكدس أمام الورش إلى مادة صناعية تُدفع قيمتها نقداً مقدماً بعدما اعتادت المصانع شراءها بالآجل، بحسب تقرير نشرته وكالة "فرانس برس" في 18 تموز (يوليو).

ولا تعني هذه الطفرة أن مصر تخلصت من اعتمادها على المواد الخام القادمة من الخارج، لكنها تكشف شبكة إنتاج موازية، تبدأ بجامع القمامة وتنتهي في مصانع العبوات وألياف البوليستر ومواد البناء، ظلت لعقود خارج الحسابات الرسمية رغم دورها في إبقاء القاهرة تعمل.

 

 

من أزمة نفط إلى "صدمة بلاستيك"

بدأت الأزمة من حبيبات صغيرة تستخدم في إنتاج الأكياس والعبوات والأنابيب والألعاب وقطع السيارات، فالبولي إيثيلين والبولي بروبيلين مشتقان من النفط والغاز، وتعتمد سلاسل توريدهما على المصانع الخليجية وطرق الشحن عبر مضيق هرمز.

واستحوذ الشرق الأوسط عام 2025 على أكثر من 40% من صادرات البولي إيثيلين العالمية، بقيادة السعودية، وإن منتجات بتروكيماوية تراوح قيمتها بين 20 و25 مليار دولار تعبر المضيق سنوياً. 

وتسببت اضطرابات الحرب في رفع أسعار البلاستيك والبوليمرات إلى مستويات تقترب من أعلى مستوى في أربع سنوات، وفق "رويترز".

أما وكالة التسعير آي سي آي إس ICIS فتقدر أن نحو 85% من صادرات البولي إيثيلين في الشرق الأوسط تعتمد على المرور عبر هرمز، ويجعل ذلك البلاستيك أحد أكثر المنتجات تعرضاً للأزمة بعد النفط والغاز، حتى إن كان أثره أقل وضوحاً في الأسواق المالية، وفق البيانات التي أوردتها "فرانس برس".

وفي الأسواق الصينية، ارتفعت عقود البولي إيثيلين بنحو 37% منذ اندلاع القتال في أواخر شباط (فبراير)، بينما صعد البولي بروبيلين بأكثر من 38%، كما قفز هامش تكرير النافثا في آسيا إلى أكثر من 400 دولار للطن، مقارنة بنحو 108 دولارات قبل الحرب، وفق "رويترز".

ووصفت "فاينانشال تايمز" الأزمة بأنها "صدمة بلاستيك" أصابت آسيا، بعدما كادت أسعار النافثا أن تتضاعف وتراجعت معدلات تشغيل مصانع البتروكيماويات. ولم تعد المشكلة مقتصرة على منتجي البلاستيك، بل انتقلت إلى شركات الأغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل والأدوات الطبية التي تحتاج إلى العبوات والأغلفة يومياً.

 

 

مصر تستورد 40% من خاماتها

تظهر هشاشة السوق المصرية أن البلاد تستورد نحو 40% من احتياجاتها من خامات البلاستيك، أساساً من دول الخليج وأوروبا والصين وكوريا الجنوبية، وفق بيانات غرفة الصناعات الكيماوية المصرية.

ويقول محمد حماد، مالك شركة لإعادة تدوير البلاستيك في القاهرة، لـ"النهار"، إن هذه النسبة تعني أن أي تأخير في وصول الحاويات أو ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين ينعكس سريعاً على المصانع المحلية، ولاسيما منها المنشآت الصغيرة التي لا تمتلك مخزونات تكفي شهوراً أو القدرة المالية على شراء شحنات كبيرة من أسواق بديلة.

ويوضح أن هذه الخامات تستخدم في قطاعات واسعة، من تعبئة الأغذية والمياه والأدوية إلى الزراعة والتشييد والمنسوجات. لذلك لا تتوقف الصدمة عند تكلفة العبوة، بل تتحول تدريجاً إلى زيادات صغيرة موزعة على آلاف السلع.

ولفت إلى أن ارتفاع تكلفة الراتنجات والمواد البتروكيماوية يمكن أن ينتقل إلى أسعار الغذاء والمشروبات بعد مدة تراوح بين ثلاثة وتسعة أشهر، لأن الأثر يظهر داخل الزجاجات والأكياس والأغطية ومواد التغليف بدلاً من ظهوره مباشرة في سعر النفط.

ويباع البلاستيك في مصر بأسعار تراوح بين 19 و30 جنيهاً بحسب الجودة، وفق حماد.

 

ورشة لجمع الخردة في القاهرة (شترستوك)

ورصدت صحيفة "بيزنس إنسايدر" في تقرير كيف اضطرت شركة الأغذية اليابانية "كالبي" إلى تقليل ألوان عبوات بعض منتجات رقائق البطاطس، بسبب نقص مواد مشتقة من النافثا تدخل في الأحبار والراتنجات، وهو مثال على قدرة أزمة المادة الخام على تغيير شكل المنتج نفسه، لا سعره فقط.

 

منشية ناصر تتحول إلى مورد استراتيجي

عندما ارتفعت تكلفة الخامة البكر، لجأت المصانع المصرية إلى المادة الأقرب والأسرع: النفايات الموجودة داخل البلاد.

تبدأ السلسلة بجامعي المخلفات الذين ينقلون نفايات المنازل والمتاجر إلى مناطق مثل منشية ناصر والخصوص وعزبة النخل وأرض اللواء. 

وتتولى الأسر فرز البلاستيك وفق النوع واللون والسمك، قبل غسله وتقطيعه وضغطه أو تحويله إلى رقائق وحبيبات يمكن بيعها إلى المصانع.

ومن هناك، تدخل الخامة في إنتاج الأكياس والعبوات غير الغذائية والأنابيب والأدوات المنزلية، أو تتحول زجاجات البولي إيثيلين تيرفثالات "PET" إلى ألياف بوليستر تستخدم في الملابس والمفروشات والحشو الصناعي.

وارتفع الطلب لدى بعض منتجي البلاستيك المعاد تدويره إلى ثلاثة أمثاله، كما سجلت شركة يوفلكس مصر، التي تحول المخلفات إلى مواد تعبئة جديدة، نمواً في الطلب يصل إلى 40%، خصوصاً من شركات الأغذية والمشروبات الباحثة عن بديل متاح من الخامات المستوردة.

واستفاد مصنع للألياف الكيماوية في مدينة السادات من الأزمة لتوسيع مبيعاته إلى أسواق بعيدة مثل البرازيل، بعدما ظل لنحو 16 عاماً يعمل داخل نطاق أضيق. وهكذا حولت أزمة الشحن مورداً محلياً مخفوض القيمة إلى منتج قابل للتصدير.

 

من يحصل على الهامش الأكبر؟

لا توجد قاعدة بيانات عامة ترصد السعر الذي يحصل عليه جامع المخلفات، مقارنة بما يتقاضاه الوسيط أو ورشة التقطيع أو مصنع الحبيبات أو الشركة التي تنتج العبوة النهائية. وهذا الغياب يجعل تحديد الرابح الأكبر بدقة أمراً صعباً.

لكن بنية السلسلة تشير إلى أن القيمة ترتفع كلما انتقلت الخامة من الجمع إلى التصنيع؛ فالجامع يبيع مخلفات مختلطة، بينما يبيع الفرّاز مادة مصنفة، وتبيع الورشة رقائق مغسولة، ويقدم مصنع الحبيبات خامة أكثر تجانساً، قبل أن يحولها المصنع الكبير إلى عبوة أو نسيج يمكن تصديره.

استفادت الحلقة الأولى من زيادة الأسعار بما يصل إلى 60% ومن تحول بعض المصانع إلى الدفع النقدي المقدم، إلا أن قدرتها على الاحتفاظ بهذا الهامش تظل محدودة أمام تقلبات السوق وتكاليف النقل والكهرباء والمياه والآلات.

أما المصانع التي تمتلك خطوط الغسل والتجفيف والتحبيب والاختبارات، فتستطيع التقاط حصة أكبر من القيمة لأنها لا تبيع "نفايات"، بل مادة خام بمواصفات صناعية. وهذه قراءة تستند إلى اختلاف مستوى المعالجة في كل مرحلة، في ظل غياب بيانات منشورة عن هوامش الربح الفعلية.

 

مصنع غير رسمي يدير نصف نفايات القاهرة

تختلف التقديرات بشأن حجم ما تعالجه منشية ناصر بسبب غياب تعريف موحد يفصل بين الحي نفسه وشبكة جامعي المخلفات الممتدة في القاهرة الكبرى.

وتقول الأرقام الحكومية إن منشية ناصر، التي يزيد عدد سكانها على 115 ألفاً، تتعامل مع أكثر من ثلث مخلفات العاصمة. في المقابل، ذكرت "ذا غارديان" أن شبكة "الزبالين" الأوسع قد تتولى التعامل مع ما يصل إلى 80% من مخلفات مدينة القاهرة ونحو ثلثي مخلفات القاهرة الكبرى.

ويقدم البنك الدولي تقديراً أكثر تحفظاً، إذ يشير إطار مشروع إدارة تلوث الهواء في القاهرة الكبرى إلى أن القطاع غير الرسمي يجمع نحو نصف النفايات التي تغطيها أنظمة الجمع، غالباً من المنازل مباشرة، ثم يفصل المواد القابلة للبيع للمصانع والورش.

هذا التفاوت في الأرقام ليس مجرد خلاف إحصائي؛ بل يعكس قطاعاً يعمل إلى حد بعيد من دون فواتير أو سجلات إنتاج أو عقود رسمية، ولذلك لا تعرف الدولة بدقة حجم العمالة أو الإنتاج أو الدخل أو كمية البلاستيك التي تعود فعلياً إلى المصانع.

 

 

تمويل مصرفي بعيد عن الورش الصغيرة

يعدّ التمويل أكبر عقبة أمام تحويل الطفرة إلى صناعة دائمة؛ فمعظم ورش الجمع والفرز لا تمتلك سجلات مالية منتظمة أو ضمانات عقارية أو تراخيص مكتملة، وهي متطلبات أساسية للحصول على قرض مصرفي لشراء غسالة أو مفرمة أو خط تحبيب.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن أقل من 10% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر تحصل على تمويل مصرفي، وأن نحو مليوني منشأة فقط من أصل 4.5 ملايين منشأة تستوفي متطلبات البنوك.

ومن المرجح أن تكون الفجوة أكبر بين ورش إعادة التدوير غير المسجلة، لأنها لا تظهر أصلاً في كثير من قواعد بيانات الشركات، ويدفعها ذلك إلى تمويل الآلات من المدخرات العائلية أو الاقتراض غير الرسمي أو الاعتماد على دفعات مقدمة من التجار والمصانع، ما يعزز نفوذ المشترين الأكبر داخل السلسلة.

وحتى عندما تتوافر برامج للتمويل الأخضر، فإنها تصل عادة إلى الشركات الرسمية القادرة على تقديم دراسات فنية وبيانات استهلاك للطاقة والمياه وخطط بيئية، وليس إلى جامع المخلفات أو ورشة تعمل أسفل منزل.

 

هل تصبح الأزمة نقطة تحول؟

تتبنى الحكومة المصرية هدفاً لرفع نسبة إعادة تدوير المخلفات البلدية إلى 60% بحلول 2027، مقارنة بنحو 37% في 2024، وفق تقرير نشرته مجلة "بزنس مونثلي" التابعة لغرفة التجارة الأميركية في مصر، كما يوفر قانون تنظيم إدارة المخلفات الرقم 202 لسنة 2020 إطاراً لترخيص الأنشطة وتشجيع الاستثمار وإشراك الشركات الصغيرة.

ويقول حماد إن تحويل الطفرة الحالية إلى تحول دائم يتطلب تجاوز فكرة أن إعادة التدوير حل طارئ يُستخدم فقط عندما ترتفع أسعار الخامة المستوردة، فمع أي تهدئة في مضيق هرمز، قد تنخفض أسعار البلاستيك البكر مجدداً وتفقد الخامة المعاد تدويرها جزءاً من جاذبيتها. 

وشهدت السوق بالفعل تراجعاً موقتاً في الطلب والأسعار عندما ظهرت مؤشرات على تقدم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أن تعود الطلبيات إلى الارتفاع مع تجدد القتال. 

وتشير "فرانس برس" إلى استفادة الولايات المتحدة من الأزمة بوصفها منتجاً مخفوض التكلفة للبلاستيك المعتمد على الغاز الطبيعي. وذكرت "وول ستريت جورنال" أن شركات مثل "داو" و"ليون ديل باسيلط رفعت الإنتاج والأسعار بعد تعطل الإمدادات المنافسة من الشرق الأوسط، ما يعني أن عودة الشحنات الأميركية أو الخليجية قد تعيد الضغط على المنتجين المحليين المعتمدين على التدوير.

 

الفرصة في تحويل القمامة إلى أمن صناعي

ويرى أن المخلفات المحلية لا تستطيع تعويض جميع أنواع البلاستيك المستوردة أو تلبية كل المواصفات الفنية، لكنها تستطيع تقليل تعرض المصانع للصدمات الخارجية إذا تحولت من سوق عشوائية إلى سلسلة توريد منظمة.

ويتطلب ذلك عقوداً مستقرة بين المصانع والورش، ومراكز للفرز خارج المناطق السكنية، وتمويلاً مضموناً للآلات، ومعايير لجودة الحبيبات المعاد تدويرها، فضلاً عن دمج جامعي المخلفات من دون إقصائهم لمصلحة شركات كبيرة أقل قدرة على استعادة المواد.

ويضيف أن حرباً تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن القاهرة كشفت أن منشية ناصر ليست مجرد نهاية لسلسلة الاستهلاك، بل بدايتها من جديد، ومع ارتفاع أسعار الخامات، اكتشفت المصانع أن جبال النفايات يمكن أن تتحول إلى احتياطي صناعي محلي.

ويقول إن الاختبار الحقيقي لن يأتي أثناء إغلاق هرمز؛ بل بعد فتحه، فإذا ظلت المصانع تشتري البلاستيك المصري المعاد تدويره عندما تعود الخامة المستوردة الرخيصة، فتكون الأزمة قد صنعت اقتصاداً دائرياً، أما إذا توقفت الاتصالات وعادت الورش إلى مطاردة المشترين، فلن تكون الطفرة سوى هامش ربح موقت أنتجته الحرب.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية