حديث الأرصفة

على أرصفة مدننا المزدحمة، لا تتكدس الحجارة فحسب، بل تتراكم حكاياتٌ منسية كأكوام غبارٍ يدهسها المارة في عجلتهم القاتلة، دون أن يلحظوا أنهم يطأون أرواحاً تتلاشى. هنا، في هذا الزحام الذي يبتلع الزمن، تنزف الحياة صمتاً موجعا لا يقرؤه العابرون.

أرى طفلاً يغرس بكاءه في شقوق الإسفلت، وأرملةً تفرغ شكواها في فضاءٍ لا يجيب، تهمس بحقيقةٍ مرّة: “ليس اليتمُ أن تفقد الطفل أباً، بل أن يفقد الأحياءُ رحمةً في قلوبهم“. وبالقرب منها، طفلةٌ حافية تركض خلف سراب ضوءٍ لا يضيء عتمة أيامها، تضحك بمرارة وهي تواجه التائهين في زحام الدنيا: “إن تيهكم خلف مظاهركم أكبر بكثير من تيهي“.

وتلك الشابة التي تبيع جسدها كي تسدّ رمق الضيق، تقف شاهدةً على قبح العالم؛ جسدٌ صار قصيدةً لم يفهمها الصمّ، تصرخ في وجه طهريّةٍ زائفة تخفي خلفها نتانة النفوس: “لا تلعنوا جسدي، بل اسألوا من جعل ثمن الخبز أغلى من الكرامة“. أما ذلك السكران الذي يعانق دواره ليحتمي من ثقل السماء، فيبدو أكثر صدقاً من أصحاب ربطات العنق الذين يخفون سكرهم بوقارٍ كاذب، وماسح الأحذية الذي يقتات من تراب نعال الغرباء يبتسم بسخرية: “كم من حذاءٍ يلمع، وصاحبه غارق في وحل الضمير“.

وهناك، حيث يفترش المتشرد الأرض ويلتحف السماء، يرتجف من برد الواقع ليواجهنا: “أنا بلا سقف يأويني، وأنتم بلا وطن يسكن قلوبكم“. وفي الزاوية ذاتها، يقف مجنون يلوح بعقله البسيط في وجه “عقلائنا” الفاسدين، داعياً إياهم للجنون لأن عقولهم أشد فساداً، بينما يستعرض المتسولون جراحهم كيافطات تجارية في زمن صار فيه التسول وظيفة

وفي ركنٍ مظلمٍ من هذا الطريق، يرزح كشكٌ عجوز، تكدست فيه جرائد ومجلات لم تعد تستهوي أحداً، فقد ماتت الأخبار فيها قبل أن تُطبع، ولم تعد تصلح لشيء سوى أن تكون أدوات ورقية لتلميع الزجاج، بينما تصرخ بائعة الكتب المستنسخة بجانبه في صمت العابرين: “اقرؤوا!”. وكأنها تدرك وحدها أن هذا العالم ما غرق في وحل جهله، وما أغلق أبواب النور أمام الألباب، إلا لأننا كففنا عن القراءة، وعن التبصر في وجوه الأرصفة التي تحمل كل يوم خيباتنا الكبرى.

وبين كل هؤلاء أناس يعبرون نفس الرصيف، في نفس الوقت من كل يوم جيئة وذهابا، يطاردون السراب بينما يلتهمهم الزمن في صمت.

اقرأ المقال كاملاً على لكم